المرحلة الثانية من اتفاق غزة بين المماطلة وتبادل الأدوار
المرحلة الثانية من اتفاق غزة بين المماطلة وتبادل الأدوار
الكوفية
يعيش الشعب الفلسطيني يوميًا على وقع تطورات الأحداث، متابعًا الحراك الدبلوماسي الذي يقوده الوسطاء والأطراف الصديقة، على أمل أن تفضي هذه الجهود إلى انفراجة تنهي معاناته، وتمكّنه من العودة إلى بقايا منازله التي دمرتها الحرب.
فقد توصل الوسطاء، بعد تدخلات من أطراف فلسطينية فاعلة، من بينها القيادي محمد دحلان، إلى صيغة توافقية تضمنت خارطة طريق لتسليم إدارة الشؤون المدنية في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط، إلى جانب اعتماد آلية تدريجية لمعالجة ملف السلاح. وقد جاء هذا التوافق الفلسطيني ثمرة مفاوضات مكثفة، مما عزز حالة من التفاؤل بإمكانية إحراز تقدم، خاصة بعد إعلان الفصائل قبولها بالبندين الخامس والثامن، اللذين شكّلا في السابق إحدى أبرز العقبات أمام المفاوضات.
وجاء هذا التوافق أيضًا نتيجة مشاورات معقدة جمعت الوسطاء من جهة، والجانب الأمريكي، إضافة إلى نيكولاي ميلادينوف، من جهة أخرى، الأمر الذي دفع كثيرًا من المراقبين إلى الاعتقاد بأن الاتفاق بات قريبًا من التنفيذ. إلا أن زيارة ميلادينوف إلى إسرائيل لعرض التفاهمات أعقبها تراجع عن بعض ما تم الاتفاق عليه، بعد تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضرورة البدء بتسليم السلاح قبل أي انسحاب إسرائيلي، وهو ما يُعد استمرارًا لسياسة المماطلة وتبادل الأدوار. ولعل في هذا السياق ما ورد في القرآن الكريم من قصص حول نقض العهود والمواثيق، بما يحمل من دلالات وعبر.
ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة، بصفتها أحد أهم ضامني الاتفاق، ركزت في تصريحات رئيسها دونالد ترامب، الذي بارك الاتفاق وأشاد بجهود الوسطاء، على قضية تسليم السلاح، من دون الإشارة إلى التفاهمات التي توصل إليها الوسطاء أو إلى خارطة الطريق التي جرى الاتفاق عليها.
وتواصل إسرائيل انتهاج سياسة ممنهجة تقوم على إطالة أمد المفاوضات؛ إذ كانت تشترط منذ البداية تسليم السلاح، بينما رفضت الفصائل هذا الطرح. وبعد جهود مكثفة بذلها الوسطاء وعدد من الأطراف الفلسطينية، تم التوصل إلى توافق يقضي بأن يكون التعامل مع هذا الملف بصورة تدريجية ومتزامنة مع الانسحاب الإسرائيلي، وذلك في إطار مشاورات أُجريت مع جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي آنذاك.
إلا أن إسرائيل عادت لتعلن رفضها تنفيذ الاتفاق قبل أن تقوم الفصائل بتسليم سلاحها إلى جهة أجنبية، وليس إلى طرف فلسطيني، وهو ما يمثل استمرارًا لنهج المماطلة وإعادة طرح شروط جديدة تعرقل تنفيذ ما تم التوافق عليه.
إن ما يجري يعكس سياسة قائمة على تبادل الأدوار بين إسرائيل والولايات المتحدة، ويبدو أن ميلادينوف كان جزءًا من هذا المسار، بوصفه الوسيط الأممي.
وفي الختام، يبدو أن المشهد الفلسطيني سيبقى، خلال الأشهر المقبلة، رهينة المماطلة والتسويف، وأن فرص تنفيذ الاتفاق ستظل محدودة إلى حين اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية، إذ ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة ومسار المفاوضات في ضوء تلك النتائج.
وفي المقابل، سيبقى دور الوسطاء محصورًا في حدود الضغط الدبلوماسي ومطالبة المجتمع الدولي بالاضطلاع بمسؤولياته، وممارسة الضغوط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها. وحتى ذلك الحين، سيواصل الفلسطينيون العيش في واقع إنساني بالغ الصعوبة، فيما تستمر الأزمة دون أفق واضح او حل قريب.