هل يمكن لمراقبي السياسة أن يفسروا ما يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟ مرة يحمل مشروع التهجير بلا هوادة حالماً بالريفيرا، ومرة يجتمع ليقرر مصير غزة وإعمارها في اليوم التالي، مرة يدعو لإنهاء الحرب خلال أسبوعين، ومرة يدعم نتنياهو بإكمالها، وهكذا سيمضي ولايته متاجراً بالسياسة وسلعتها المعروضة بدم الغزيين بلا حساب.
لكن الحقيقة أنه يريد إنهاء الحرب وفقاً لشروط نتنياهو، والقاضية باستسلام حماس التي بات نتنياهو يجاهر بها كشرط للنهاية، متكئاً على نجاحات قلبت فيها إسرائيل المنطقة رأساً على عقب، وتُكرس نفسها زعيمة المنطقة بلا منازع. وتلك أسوأ نتيجة خلّفها السابع من أكتوبر أنه تكفّل بردة فعل دولية بتنفيذ إسرائيلي بذبح كل خصوم إسرائيل في المنطقة وتسيّد تل أبيب لها، وتلك باتت لازمة في خطابات رئيس وزرائها، حتى أن كاتس يفاخر بأن جيشهم يعمل في سبع مناطق بعد الإنزال في سورية.
وبمناسبة الإنزال والتذكير بمقارنات التاريخ في تصريح أحد قادة حماس باستدعاء إنزال النورماندي ما يدعو للفزع، فهذا تسطيح في قراءة التاريخ المعكوسة لقوة تسببت بهذا المستوى من الإدراك السياسي، أن تنبش عش الدبابير لأن المنطق الذي تتم فيه مقارنات التاريخ هو بهذه البساطة. فقد قرر يوماً أن يهزم بأقل الأسلحة في الشرق الأوسط أقوى دولة مسلحة في الشرق الأوسط وخلفها كل مصانع السلاح في العالم، متكئاً على شيء يشبه وعد الآخرة أو مقارنات شبيهة بالنورماندي، دون أن يدرك المتحدث أن مَن قام بالنورماندي هي القوة الأميركية الكاسحة التي تقف الآن خلف إسرائيل، وتحالف دولي وقف ضد هتلر وهو نفس التحالف الذي يقف ضد حركة حماس.
لم تخطئ حماس حسابات السابع من أكتوبر فقط، بل أخطأت في إدارة الكارثة بعدها. وكان يمكن أن تختصر الكثير من الموت والدمار وإبادة المكان لو أدركت مبكراً فداحة الخلل في ميزان القوة، وتصرفت على أساسه كما فعل حزب الله، أو كما فعلت ايران بالموافقة على وقف الحرب بالشروط المجحفة، لكنها أقل إجحافاً من استمرار الحرب، هكذا يفعل السياسيون، ولكن إذا كان منطق الإدارة يقيس بإنزال النورماندي، هذا يمكن أن يفسر لنا سر العناد وسر الإنكار وسر الخسارات وسر الكارثة الممتدة بلا توقف. فطالما ينتظر إنزالاً يقلب موازين المعركة، فلماذا يتوقف في لحظة هزيمة تتجسد له الآن إذا كان النصر قادماً؟
قد يشكل ذلك نموذجاً للكثير من المؤشرات التي سبقت السابع من أكتوبر، والتي تعكس بساطة سياسية خالية من أي اجتهاد يُمَكِّن من قراءة الواقع ومناخاته ودافعه وموانعه، لاتخاذ قرارات أكثر ذكاء وواقعية، بعيداً عن الاندفاعات المغامرة التي لا تحتملها الشعوب، فإسرائيل هي ابنة العالم الذي لن يسمح بكسرها بأي شكل، فلو مالت الكفة قليلاً في غير صالح إسرائيل سيحرك العالم أساطيله، وقد فعل في لحظة قلق عليها وهو مستعد بالنزول بقواته، ولو مالت في غير صالحها لضربت بقنابلها النووية.
من يعرف عن ضربة شمشون؟ تلك التي صممتها إسرائيل لحرق الشرق الأوسط إذا ما تعرضت للهزيمة، وتلك تقوم على غواصات نووية إسرائيلية محملة بالصواريخ تجوب المحيطات تُشحن بالطاقة النووية، ما يكفي لثلاثين عاماً للغواصة، ويمنع عليها الاقتراب من الشواطئ الإسرائيلية، وتلك لديها مهمة واحدة وهي عندما ينقطع اتصال الغواصات مع تل أبيب عليها أن تعرف أن الدولة انتهت، وحينها عليها أن تضرب كبرى العواصم والمدن العربية بالقنابل الذرية، أي حرق الأمة العربية والشرق الأوسط. لذا كان شكل الكفاح ضد إسرائيل كضرورة إنسانية أولاً يجب أن يتكئ على معرفة دقيقة، وعلى طول نفس كما قال يوماً جورج حبش، وعلى قوة العقل وليس عقل القوة، فالصمت على الاحتلال وخاصة حين يتخذ شكلاً عنصرياً في ممارساته يعتبر خيانة للقيم الإنسانية التي تتصادم مع قيم إسرائيل. ولكن كيف؟ هذا هو السؤال الذي يشكل الفارق بين العقل والنقل، بين الواقعية والوهم، بين الحسابات وبين العشوائية.
دافيد برنياع رئيس الموساد «الجهاز الأمني المسؤول خارج إسرائيل والضفة وغزة فتلك مسؤولية الشاباك» هو الوحيد في الطبقة القيادية في إسرائيل لم تصبه شظايا السابع من أكتوبر. فعندما سُئل عن معلوماته قال «لم يبلغ السنوار أحداً في الخارج وإلا لكنت عرفت، فنحن نخترق حزب الله ونراقب حماس الخارج جيداً، ولو علم أي من هؤلاء لعرفنا» وفي ذلك رد على من يقولون أن حزب الله اضاع الفرصة بعدم انضمامه، فلو علم لما تم السابع من أكتوبر، فالمسألة ليست ببساطة الأمنيات.
أصبحت المسألة عالقة بين نتنياهو الذي يطالب بالاستسلام مسلحاً بميدان حقق في غزة والإقليم وضد المحور أكثر مما كان يحلم، ومسلحاً أيضاً برئيس أميركي مجرد منفذ لمشاريع نتنياهو وشديد الإعجاب بآرائه، وبين حركة حماس التي تعتبر أن الاستسلام يعني إسدال الستار على تجربة حركة عليها أن تعترف بعدم جدارتها لتطوي تاريخاً وترحل، وتلك مسألة مستحيلة فهي تفضل الهزيمة العسكرية بكل ما تحمل من خسارات حتى لو بالتضحية بكل غزة، لأن في ذلك ما يترك صورة الحركة الشهيدة حية في قلوب أجيال قادمة تحمل الفكرة وهنا مأزق الحرب وتوقفها.