كلما دخلت القضية الفلسطينية منعطفاً مصيرياً، عاد اسم محمد دحلان إلى واجهة النقاش السياسي. يحدث ذلك اليوم مجدداً مع قطاع غزة الذي يخرج من حرب مدمرة مثقلاً بالجراح والأسئلة الوجودية حول مستقبله السياسي والإداري والإنساني. وفجأة، يصبح الرجل محوراً للجدل، ليس لأنه أعلن ترشحه لمنصب، أو خاض معركة للسلطة، أو قدم نفسه بديلاً لأحد، بل لأن مجرد حضوره في المشهد الفلسطيني لا يزال قادراً على إثارة القلق لدى خصومه واستنفار حملاتهم.
ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها. فمن جهة، يروج البعض لفكرة أن محمد دحلان يمتلك من الخبرة والعلاقات والقدرة التنفيذية ما يؤهله للمساهمة في انتشال غزة من ركامها، وإعادة وصل ما انقطع بين الفلسطينيين ومحيطهم العربي، وإطلاق مرحلة جديدة من العمل الوطني القائم على الواقعية السياسية والإنجاز الملموس. ومن جهة أخرى، يسارع آخرون إلى شن حملات استباقية ضده، لا بهدف مناقشة أفكاره أو تقييم تجربته، بل بهدف إغلاق الباب أمام أي دور يمكن أن يؤديه مستقبلاً.
والمفارقة الأكبر أن هذه الحملات تتحدث عن طموحات سياسية للرجل أكثر مما يتحدث هو نفسه عنها. فمحمد دحلان أعلن في أكثر من مناسبة أنه لا يسعى إلى منصب ولا يطمح إلى سلطة، وأن ما يعنيه بالدرجة الأولى هو الاستمرار في أداء واجبه الوطني والإنساني تجاه أبناء شعبه أينما كانوا. ومع ذلك، لا يزال البعض يتعامل مع كل مبادرة يقوم بها، وكل حضور له، وكل مشروع إنساني أو إغاثي يرتبط باسمه، باعتباره تهديداً سياسياً يجب محاصرته.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لرجل قيل إنه خارج المشهد الفلسطيني منذ سنوات أن يبقى حاضراً بهذا الحجم في حسابات خصومه؟ وكيف يمكن لشخص يُقال إنه فقد تأثيره أن يستدعي كل هذا القلق كلما طُرح اسمه في أي نقاش يتعلق بمستقبل غزة أو النظام السياسي الفلسطيني؟
الجواب يكمن في حقيقة يعرفها الفلسطينيون جيداً. فالحضور السياسي لا يقاس بالموقع الرسمي، ولا بعدد الألقاب، ولا بمساحة الظهور الإعلامي، بل بالقدرة على البقاء في وجدان الناس والتأثير في معادلات الواقع.
وخلال السنوات الماضية، لم يختف محمد دحلان من حياة الفلسطينيين، بل بقي حاضراً عبر عشرات المبادرات الإنسانية والإغاثية والاجتماعية التي وصلت إلى آلاف العائلات في قطاع غزة ومخيمات الشتات والتجمعات الفلسطينية المختلفة.
وفي الوقت الذي كانت فيه مؤسسات فلسطينية تتآكل تحت وطأة الانقسام والصراعات الداخلية، عمل التيار الإصلاحي الديمقراطي على ترسيخ حضوره المجتمعي من خلال مقاربة مختلفة تقوم على خدمة الناس والانحياز لاحتياجاتهم اليومية، بعيداً عن المزايدات السياسية والشعارات التي استهلكتها سنوات طويلة من العجز والإخفاق.
اليوم، وغزة تواجه واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخها المعاصر، لم يعد الفلسطينيون يبحثون عن خطابات جديدة بقدر ما يبحثون عن حلول جديدة. لم يعد السؤال من يحكم، بل من يستطيع أن ينقذ. لم يعد السؤال من يرفع الشعارات الأعلى، بل من يمتلك القدرة على إعادة بناء ما دمرته الحرب، واستعادة الحضور العربي والدولي للقضية الفلسطينية، وفتح نافذة أمل أمام جيل أنهكته الحروب والحصار والانقسام.
لهذا السبب تحديداً يعود اسم محمد دحلان إلى التداول كلما اشتدت الأزمات. ليس لأن الرجل يفرض نفسه على الواقع، بل لأن الواقع نفسه يعيد طرح الأسئلة التي ارتبطت باسمه منذ سنوات: أسئلة الإدارة، والقدرة التنفيذية، والعلاقات الإقليمية، والبراغماتية السياسية، وإمكانية الانتقال من دائرة الشعارات إلى دائرة الإنجاز.
أما الذين يصرون على تحويل الرجل إلى خصم دائم، فإنهم يبدون وكأنهم يخوضون معركة ضد احتمال أكثر من خوضهم معركة ضد شخص. إنهم يخشون أن تفرض المرحلة المقبلة معايير جديدة للحكم على القيادات الفلسطينية؛ معايير تقوم على ما أُنجز لا على ما قيل، وعلى ما قُدم للناس لا على ما رُفع من شعارات.
إن غزة التي دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها وخراب مدنها لا تحتاج إلى معارك تصفية الحسابات، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسامات القديمة، بل تحتاج إلى كل جهد وطني مخلص قادر على المساهمة في إنقاذها وإعادة إعمارها واستعادة مكانتها.
وفي هذا السياق، فإن أي نقاش حول دور محمد دحلان أو التيار الإصلاحي يجب أن يُبنى على الحقائق والنتائج والقدرة على الفعل، لا على حملات التشويه والأحكام المسبقة.
ففي نهاية المطاف، لا تصنع الأوطان حملات الكراهية، ولا تبنى المشاريع الوطنية بالإقصاء. وما يبقى في ذاكرة الشعوب ليس من أتقن التخوين، بل من وقف إلى جانبها في ساعات المحنة، ومن آمن بأن خدمة الناس مسؤولية وطنية لا ترتبط بممصلحة خاصة ولا بسلطة ولا بكرسي.
محمد دحلان وغزة: عندما يتحول الحضور إلى تهمة
نشر بتاريخ: 2026/06/04
(آخر تحديث: 2026/06/05 الساعة: 00:38)