تكرار سردية الكذب لن يجعلها موضع تصديق
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 18:12)

دحلانستان المزعومة ليست سوى واحدة من أكثر السرديات السياسية تداولا في السنوات الأخيرة رغم افتقارها إلى الحد الأدنى من الأدلة والوقائع التي يمكن أن تجعل منها رواية قابلة للتصديق. ومع ذلك يواصل البعض تكرارها وكأنها حقيقة قائمة بينما هي في جوهرها مجموعة من الافتراضات التي لا تصمد أمام المنطق السياسي ولا أمام المواقف المعلنة لقيادة تيار الإصلاح الديمقراطي وعلى رأسها محمد دحلان.

المطلوب اليوم ليس مهاجمة من يكتب أو من يروج لهذه السردية بل مناقشة الفكرة نفسها وتفكيك الأسس التي تقوم عليها. فإذا كانت الفكرة تقوم على وجود مشروع لفصل غزة عن الضفة الغربية وإقامة كيان سياسي مستقل في القطاع فمن حق الجميع أن يسأل أين هي الأدلة على ذلك ومن هي الجهة التي أعلنت هذا المشروع أو تبنته بشكل رسمي. والأهم من ذلك كيف يمكن التوفيق بين هذه المزاعم وبين المواقف السياسية المعلنة التي تؤكد باستمرار أن غزة والضفة والقدس تشكل وحدة سياسية وجغرافية واحدة لا يمكن الفصل بينها.

لقد كانت مواقف قيادة التيار واضحة وثابتة في رفض أي مشاريع أو ترتيبات تؤدي إلى تكريس الانقسام أو إنتاج كيان سياسي منفصل في قطاع غزة. كما أكدت في كل مناسبة أن وحدة النظام السياسي الفلسطيني ووحدة التمثيل الوطني تشكلان أساس أي حل مستقبلي وأن إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار لا يمكن أن يتحققا من خلال تعميق الانقسام بل عبر شراكة سياسية حقيقية ومشروع وطني جامع يشارك فيه الجميع.

أما ما يروج حول سعي محمد دحلان لتولي إدارة غزة أو العودة إلى المشهد من بوابة السلطة التنفيذية فهو يتناقض مع ما أعلنه الرجل بنفسه في أكثر من مناسبة حين أكد أنه لا يسعى إلى أي منصب تنفيذي ولا يطرح نفسه حاكما لغزة ولا مديرا لشؤونها وأن كل ما يمكن أن يقدمه هو المشورة أو المساهمة الوطنية إذا طلب منه ذلك وفي إطار وطني يحفظ وحدة الشعب الفلسطيني وقضيته.

والحقيقة أن من يعرف محمد دحلان يدرك أنه سياسي صقلته عقود طويلة من العمل النضالي والوطني وخبرة متراكمة في التعامل مع تعقيدات القضية الفلسطينية وتشابكات الإقليم. ولذلك فإن نسبة مشاريع انفصالية إليه تتناقض مع إدراكه العميق لحقيقة الصراع ومتطلبات الحل ومع قناعته بأن مستقبل الفلسطينيين لا يمكن أن يبنى إلا على وحدة الوطن ووحدة التمثيل ووحدة المصير.

إن القضية الحقيقية ليست في مواجهة مشروع انفصال متخيل بل في مواجهة واقع الانقسام القائم والعمل على إنهائه وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والتوافق الوطني. فشعبنا يحتاج اليوم إلى إعادة الإعمار والاستقرار واستعادة الأمل أكثر مما يحتاج إلى صناعة خصومات جديدة أو ترويج روايات لا تخدم سوى استمرار الانقسام.

دحلان الذي أنجبته غزة فأحبته القدس واحتضنته الضفة الحبيبة ولمع اسمه في كل شبر من أرض فلسطين المباركة لا يمكن اختزاله في سرديات يصنعها الخصوم أو تروجها الحملات السياسية. فالمواقف الواضحة والمعلنة تبقى أقوى من الشائعات والحقائق تبقى أكثر رسوخا من الافتراضات. ولذلك تبقى الرواية الوطنية الأكثر إقناعا هي رواية الوحدة الوطنية ورفض الانفصال والشراكة السياسية وإعادة الإعمار والاستقرار والحل الوطني الشامل الذي يحفظ غزة والضفة والقدس في إطار وطن واحد وقضية واحدة ومستقبل واحد.