الحراك المبني للمجهول..
نشر بتاريخ: 2026/06/27 (آخر تحديث: 2026/06/27 الساعة: 16:18)

 

مرّ يوم أمس، الجمعة 26 من مايو، مرورًا هادئًا عابرًا، رغم دعوات الحراك التي أطلقها بعض النشطاء لسكان قطاع غزة، وهي دعوات قوبلت بحملة إعلامية شرسة من حماس وأجهزتها الحكومية والإعلامية، قامت على شيطنة هذه الدعوات وتجسيسها وربطها بحكومة نتنياهو والمليشيات المسلحة، كما قوبلت أيضًا بالتجاهل الكامل من قبل جموع المواطنين لهذه الدعوات.

ويبدو أن الفاعل، إذا كان -على ما يبدو- اسمًا مجرورًا أو صفة، فإنه لن يقوى على رفع ما بعده، والنتيجة أن هذا الحراك صار فعلًا مبنيًا للمجهول.

فحماس وأجهزتها الحكومية والإعلامية انتشت بسبب فشل الحراك، وبعضهم اعتبره مؤشرًا واضحًا على قوة حماس، وعلى معارضة جماهير غزة لأي مساس بحماس وحكومتها، وهو أمر يخالف منطق الأمور وطبائعها.

فمنذ أن انطلقت دعوات الحراك قبل أسابيع، حتى أكثر معارضي حماس وحكومتها وطوفانها كانوا يحذرون من مغبة الانزلاق خلف هذه الدعوات، على اعتبار أن البيئة مهيأة بالكامل للفوضى الداخلية، خاصة مع انتشار السلاح بين العائلات، وضعف الجهاز الحكومي الذي يتعرض للملاحقة والاغتيال، وانتشار المليشيات على الخط الأصفر، وحالات الفقر والنزوح، وحالة السخط العامة التي تسود أوساط الشباب والعامة.

فشل الحراك بامتياز يكشف بوضوح عن جملة من الحقائق، أولها أن شعبنا، بعد تجربة الفوضى التي مرّ بها من سرقة المساعدات والبلطجة وحالات القتل والسرقات خلال الحرب، فإنه أكثر وعيًا بمغبة الانزلاق إلى هذا المستنقع ذي الثمن الباهظ. كما أن هذا الفشل يكشف أيضًا عن إدراك الناس لغياب البديل وخطورة ذلك حاليًا، بالإضافة إلى توقيته الخاطئ، وعدم وجود قيادة قوية لهذا الحراك قادرة على حمايته وضبط بوصلته من الانحراف. ومن جملة ما كشفته هذه الدعوات، رغم فشلها، حالة التخبط والقلق التي سادت أوساط حماس، وخوفهم من نجاح الحراك، وانعكست بوضوح على الحملة الإعلامية وما تضمنته من استدعاء لخطاب التخوين للقائمين على الحراك، وربطهم بالاحتلال، واستدعاء مواقف وخطابات رافضة للحراك من العائلات والمخاتير، ومسميات أخرى كثيرة من المبادرين وأمناء المخيمات. ومنها أيضًا بيان أفراد الشرطة الذي حذر القائمين على الحراك من استهدافهم.

الحقيقة الأخرى التي كشفتها هذه الدعوات وفشلها هي أن الفصائل في غزة لا تزال هي صاحبة الفعل والحضور والتأثير في الشارع.

لكن أي متابعة دقيقة ويومية للمشهد تبعث على القلق أكثر مما تبعث على الارتياح لنتيجة فشل الحراك. فأي تصريح أو موقف لقيادة حماس سرعان ما يواجه بردود فعل ساخرة وناقدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي أحاديث الناس وجلساتهم العامة والخاصة. ولعل أفضل مؤشر على رفض قطاع عريض من شعبنا لمواقف حماس هي تلك المسيرات التي خرجت في الشوارع إبان الحرب، تطالب حماس بتسليم الأسرى ومغادرة مربع الحكم والحكومة، وكان ذلك قبل انتشار المليشيات وزيادة مساحة عملها وسلاحها.

مخطئ وواهم من يعتقد أنه من الممكن بسهولة الاطمئنان إلى عدم تحرك الناس، فالميدان لا يزال قابلًا للاشتعال، وقد تشعل شرارته أي حادثة، وهو ما يستوجب على خطاب حماس أن يخفف من سكرة نشوته، وأن يقدم خطابًا وسلوكًا يلامسان حاجات الناس ويخففان من الأعباء وضغوط الحرب والنزوح التي تعرضوا لها، ولا يزالون، ولا تزال كل الاحتمالات مفتوحة على بعضها، بلا سواتر وبلا ضوابط.