عن اتفاق الإطار، حمل كاذب
نشر بتاريخ: 2026/06/29 (آخر تحديث: 2026/06/29 الساعة: 18:11)

لا أرى سبباً وجيهاً للدخول في تفاصيل ما سُمّي اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية ودولة الاحتلال، برعاية أميركية كاملة وتامة. ولا أرى سبباً وجيهاً كذلك لشرح أو تبيان وجهات النظر اللبنانية، لأنها شُرحت من قبل الفرقاء، وبيّن كل طرف من الأطراف المعنية بهذا الاتفاق فهمه لأبعاده، وعبّر عن دعمه ومساندته، أو عارض واعترض ورفض، وأدّى كل الاستعداد لمواجهته، وصولاً إلى إسقاطه، حتى ولو أن هذا الموقف الأخير ما زال يرى أن لا سبب ولا مبرر للتهويل من أخطاره، باعتباره مجرد حركة التفافية مكشوفة، ليس لها أي رصيد فعلي، ولا تعدو كونها الورقة الأخيرة التي تلعبها القوى المعادية للمقاومة اللبنانية، والتي تتمثل، حتى الآن، في بنية الحكم في لبنان وغالبية الحكومة القائمة فيه.

اتفاق 26 حزيران هو باختصار، حمل كاذب ووهم مكعب؛ وهم إسرائيلي، ووهم أميركي، ووهم لبناني بالنسبة لأهل العهد ومتفرعات حكومة الرضوخ للشروط الأميركية والإملاءات الإسرائيلية، أملاً بألا يسقط هذا العهد ويتصدع ويتشظى في القادم من الأيام.

إليكم أربعة أسباب جوهرية ستطيح بهذا الاتفاق في المدى المنظور والمباشر، والتي لها طابع موضوعي، ناهيكم عن أسباب ذاتية وخاصة كبيرة وكثيرة، وناهيكم عن موقف إيران وموقف المقاومة، والتي سنأتي عليها في سياق هذا المقال.

السبب الأول هو سبب إسرائيلي. واهمٌ من يظن أن هناك من الدعم السياسي والحزبي الحقيقي لهذا الاتفاق، وحتى لو أن معارضة بن غفير وسموتريتش لهذا الاتفاق تنطوي على «مناكفة» سياسية مع حزب «الليكود» عموماً، ومع نتنياهو على وجه التحديد، إلا أن هذه المناكفة، في ظروف التمهيد للانتخابات، يمكن أن تتحول إلى معارضة جدية عند درجة معينة من احتدام الصراع على أصوات اليمين المتطرف والعنصري.

كما أن المعارضة الإسرائيلية الرسمية القائمة، اليوم، هي بدورها ليست بوارد مثل هذا الدعم، لنفس الأسباب الانتخابية، ولأسباب تتعلق بالثمن السياسي الذي دفعته هذه المعارضة جراء التحاقها وانجرارها وراء نتنياهو بعد فشل الحرب على إيران، حيث تسبب هذا الانجرار بقطع الطريق على هذه المعارضة في الوقوف بوجه نتنياهو بالقدر المطلوب لخوض صراع ناجع وناجح، ليس فيما يتعلق بكامل مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، وإنما بكامل معركة الإصلاحات القضائية، وهي المعركة الأولى والأساسية، كما كانت قائمة بالفعل.

ولسان حال المعارضة الإسرائيلية الآن هو أن ما نشهده، في جوهر هذا الاتفاق ليس سوى تظاهرة إعلامية، وهي أقرب إلى «العرس ولكن بدون عروس»، وهي رشوة أو جائزة، جائزة ترضية أنعم بها الرئيس ترامب على نتنياهو، لتفادي معركة يمكن أن يخوضها نتنياهو ضد ترامب في الإدارة الأميركية، ولتفادي انخراط اللوبي الإسرائيلي، وهو اللوبي المحسوب على نتنياهو، في لعبة، وفي معركة التوازنات الانتخابية النصفية.

أما أحزاب الحريديم، فإن الاتفاق ليس من أولوياتها، والخلافات مع نتنياهو ما زالت مشتعلة، وفي أوجها، وهي ستستخدم عدم دعمها لهذا الاتفاق الهزيل، أو معارضتها له، كورقة تفاوضية خاصة بمصالحها الحزبية، وليس برؤيتها السياسية.

فأين هي القوى السياسية والحزبية والشعبية التي يمكن أن تغطي مثل هذا الاتفاق؟

ولهذا، فإن التهويل في أهمية الاتفاق، ومحاولة تسويقه كنصر استراتيجي لنتنياهو، ليس سوى محاولة واهمة من حزب «الليكود»، أو أكثريته على الأقل، ومن قبل آلاف موظفي الدولة الذين أتى بهم خصيصاً للوقوف معه في أيامه العصيبة.

أما رأي الجيش وأجهزة الأمن، فحالها حال من لا يرى ضرراً من الاتفاق كورقة سياسية ادعائية، لكنه لا يشكل أي قاعدة ميدانية وعملياتية، لأن صاحب الشأن الأول، وهو المقاومة، وصاحب الشأن الثاني، وهو الجيش اللبناني، هما خارج الموضوع، لأن المقاومة ترفض، والجيش حذر ومتحفظ، وليس لديه أولوية قد تعرض وحدته للخطر.

والاتفاق، بهذا المعنى، فاقد لقاعدة الدعم السياسي كلياً.

أما السبب الثاني، فهو السبب الأميركي. كل هذه التظاهرة الإعلامية تم تأجيلها وتأخير الإعلان عنها إلى ما بعد الاتفاق الأميركي مع إيران، لاستخدامها في وجه إيران لاحقاً، وعن سابق إصرار وترصد، كما يقال. وعندما وقعت الولايات المتحدة، بقلم رئيسها وبقلم نائبه، كانت تعي كيف تخلق بعض العقبات التي ستستخدمها في مفاوضات الستين يوماً، ومن بينها، وربما على رأسها، الورقة اللبنانية.

وكانت الولايات المتحدة، وما زالت، تعرف أن الاتفاق سيثير حفيظة الجناح الصهيوني في الإدارة، ممثلاً بشخص (روبيو)، وكان، في المقابل، أن جناح (أميركا أولاً)، ممثلاً بنائب الرئيس، سيتصارعان تحت الطاولة، ما جعل الرئيس ترامب يحاول أن يعطي كلاماً معسولاً لوزير خارجيته ماركو روبيو، وأن يتفق مع نائبه على حدود وقيود السلوك الإسرائيلي في لبنان.

وهو ما يعني أن كل مسألة الإطار ليست سوى ورقة تكتيكية تم استلالها من الأدراج في سياق اللعبة الداخلية الأميركية، وفي سياق التلويح بها كورقة أميركية ضاغطة على إيران.

السبب الثالث، فهو سبب إقليمي. ليس من السهل أن يتم اندفاع عربي إلى تأييد مثل هذا الاتفاق، وخصوصاً أنه تضمن تنازلات مجانية خطيرة. والاتفاق فرّط عملياً بالسيادة اللبنانية، ورهن الانسحاب الإسرائيلي بالرؤى الأمنية الإسرائيلية، ووضع ورقة إعادة الإعمار وعودة المهجرين، في اليد الأميركية الإسرائيلية المشتركة.

وبالنسبة للتدخل السوري، فهو ما زال مربوطاً من قبل دولة الاحتلال، وليس سهلاً، إن لم يكن مستحيلاً، على تركيا القبول بمثل هذا التدخل في الظروف القائمة، اليوم، وفي هذه المرحلة على الأقل.

والسبب الرابع هو سبب لبناني. إذ عبرت القوى السياسية والأحزاب والشخصيات الوطنية والقومية، وكذلك المراجع الدينية الوطنية، عن رفضها للاتفاق، وحيث تمثل هذه القوى وزناً سياسياً وشعبياً يجعل من الشرعية الرسمية مجرد فئة سياسية لا تمثل أكثر من ربع الجمهور اللبناني.

هذا كله دون أن نتحدث بعد عن الموقف الإيراني، وعن رؤية المقاومة، وعن خطة التصدي للاتفاق وإحباط كل أسسه ومرتكزاته، في مقال قادم.