لكرة القدم عناصر جعلت البعض يشبهها بالدين، فإذا جاز التشبيه سنجد في عالم كرة القدم (كابتن، أو مدرب، قانون الفيفا، احتفالات الفوز، مواقيت البطولات، قصص اللاعبين، جمهور المشجعين، مشاهير، أندية..).
وإذا قام الاقتصاد تاريخياً على التجارة والصناعة والزراعة والشركات والبورصات والبنوك ورجال الأعمال.. فإن كرة القدم باتت منافساً قوياً ومكوناً أساسياً في الاقتصاد العالمي، يوازي وأحياناً يفوق بتأثيره الاقتصادي كبريات الشركات، فكُـرة القدم لا تقتصر على مدرب يقود أحد عشر لاعباً في مباراة ضد منتخب منافس وبينها حكم ساحة.. بل إن 99% من العناصر البشرية التي تدخل مباشرة في كرة القدم ليسوا بالضرورة رياضيين، وربما بعضهم لم يلمس كرة طوال حياته، وبعضهم ركض مرة في آخر عشر سنوات حتى لا تفوته الحافلة.. لدينا الطاقم الفني والطبي والإداري واللوجستي والأمني، ومن يصنعون معدات اللعب من كرات وملابس وملحقاتها، ومن يبنون الملاعب والمنشآت المرافقة، ومن يشتغلون في الإعلام الرياضي، والبث التلفزيوني وفي الدعاية والإعلان والمراهنات.
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة عالمية تُستثمر فيها عشرات المليارات من الدولارات كل عام. فبعض الأندية تدير موازنات تفوق موازنات دول، بينما تبلغ إيرادات «الفيفا» خلال دورة واحدة من أربعة أعوام نحو 13 مليار دولار.
جمعت كرة القدم خصائص قلّ أن تجتمع في رياضة أخرى؛ فهي رياضة فردية وجماعية في آن واحد، وهي بسيطة لا تحتاج إلى تجهيزات معقدة أو مكلفة، يمكن ممارستها في الشارع أو في أي ساحة، وأي شخص يستطيع فهم مجريات المباراة بسرعة.. وهي مشوقة: في كل دقيقة يتغير مجرى اللعب، وفي أي ثانية يمكن أن تنقلب النتيجة، ما يمنحها عنصر الإثارة، فيظل المشجّع متوتراً حتى اللحظة الأخيرة، وتزداد الإثارة حين تكون المشاهدة جماعية في المدرجات أو في الصالات، حيث تزداد الحماسة وتتضخم المشاعر وتنتقل بين الجموع كعدوى. وهي لعبة المفاجآت: ليس الأقوى هو الذي يفوز دائماً، قد يهزم منتخب مغمور أقوى المنتخبات.
في كرة السلة قد يُسجل أكثر من مئة هدف، بينما في كرة القدم ينتظر الجمهور تسعين دقيقة من أجل هدف واحد. وهذه الندرة تجعل كل هدف حدثاً استثنائياً. وكل مباراة قصة جديدة.
كرة القدم ليست مباريات فقط؛ بل أرقام مثيرة: منتخب يحقق أول بطولة، لاعب يسجل رقماً جديداً في الأهداف.. هي أيضاً قصص: طفل فقير يصبح أسطورة، لاعب محبوب يتعرض لإصابة، حكم عنصري، حارس مرمى ضعيف.. والناس تحب القصص.
التلفزيون والإنترنت جعلا اللعبة حدثاً عالمياً يشاهده مليارات البشر في اللحظة نفسها.
كما أسهم نجوم اللعبة الأشهر تاريخياً في جعل كرة القدم ظاهرة عالمية، وأصبحوا قدوة لملايين الشبان والأطفال، وصار حلم الكثيرين أن يصبحوا نجوم كرة، لعلها تنتشلهم من فقرهم، أو تحقق لهم الشهرة .. خاصة أن كرة القدم لا تعتمد على الطول أو القوة البدنية وحدهما، بل تعتمد على الموهبة الفردية التي طالما ظهرت في الأزقة والحواري في أفقر أماكن العالم، وتمنح فرصة للإبداع والمهارة والذكاء والعمل الجماعي، ولذلك يشعر كثيرون بأنها لعبة يمكن لأي شخص أن يحلم بالنجاح فيها.
لهذه الأسباب وغيرها صارت الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وعندما نقول «الأكثر شعبية» لا يعني أن كل الناس تمارسها، بل نقصد على مستوى المتابعة والاهتمام والشغف.
وعندما يشجع الناس نادياً محلياً أو منتخباً وطنياً فإنهم أولاً يعبرون عن انتمائهم للمدينة أو للمنطقة التي يقيمون فيها، أو للوطن الذين ينتمون إليه، وهكذا تتحول المباريات خاصة الكبرى منها إلى مناسبات اجتماعية وثقافية تتجاوز الجانب الرياضي.
بهذا المعنى بات المنتخب الوطني لأي بلد تجسيداً حياً للذاكرة الجماعية، يعزز شعوراً مشتركاً بالانتماء، وهنا يغدو المنتخب ممثلاً للدولة، بل يتحول إلى رمز للأمة. فنلاحظ في المباريات الحاسمة كيف يلتف كل الشعب خلف منتخبه الوطني متجاهلاً كل التناقضات التي كانت تؤرقه وتشتته.
بمعنى آخر صار لكرة القدم أهمية في تعزيز الهوية الوطنية، وصارت المباراة مناسبة للتعبير عن حب الوطن.
الصديق محمد صباح اعترض على هذا الطرح، موضحاً أن «المنتخبات الرياضية في أوروبا أعادت سؤال الهوية القومية إلى قلب النقاش الأوروبي، بعد أن ظنَّ كثيرون أنه قد حُسم. فالوقائع الأوروبية خلال العقود الأخيرة تظهر أن الدستور وحده لا يصنع أمة، والولاء القانوني لا يُغني عن الذاكرة التاريخية والثقافة المشتركة.
لهذا نجد المنتخب الألماني (أو الفرنسي أو الهولندي) يغلب عليه ضم لاعبين من أصول مختلفة غالباً إفريقية؛ وبالتالي فإن المشكلة التي يناقشها كثير من الألمان اليوم ليست أصول اللاعبين بحد ذاتها، بل شعورهم بأن ألمانيا فقدت شخصيتها التاريخية وروحها الجماعية التي كانت تتجاوز الأفراد. فالمنتخب كان تجسيداً لثقافة كروية وانضباط وتقاليد وروح مشتركة، لا مجرد مجموعة من المواهب الفردية.
وحين أصبح معيار اختيار المنتخب هو الكفاءة وحدها، دون اكتراث بالهوية الجامعة تحول إلى مشروع رياضي ناجح، لكنه فقد جزءاً من معناه الرمزي».
مع أن كرة القدم ليست مجرد رياضة، بقدر ما هي لغة عالمية مشتركة؛ إلا أننا في ثقافتنا الشعبية عندما نشجع منتخباً وطنياً لدولة أجنبية نضع السياسة معياراً (تاريخ البلد الاستعماري، موقفه من قضايانا الوطنية).
وعندما نشجع نادياً معيناً فإننا في الوقت ذاته نكوّن جماعة ثم ننتمي إليها، فالإنسان يحتاج إلى الانتماء، وهذا النادي يوفر انتماءً سريعاً وآمناً. ويغدو كل مشجع يشعر بأنه جزء من هذه الجماعة، وانتصار النادي يصبح انتصاره الشخصي.
باختصار: تحظى كرة القدم بكل هذه الشعبية لأنها منحت كل متابع ما يحتاجه بشدة: الفرح، والإثارة، ونشوة الانتصار، والشعور بالانتماء. حتى لو اختفت هذه المشاعر بعد نصف ساعة من المباراة، وعاد كل مشجّع إلى واقعه.