حين تنحدر اللغة وتتهاوى القيم
نشر بتاريخ: 2026/07/09 (آخر تحديث: 2026/07/09 الساعة: 13:44)

حين يتم استجرار المجتمع إلى دهاليز السياسة، والأصح القول إلى زواريبها الجانبية، وحين يتم في عز الأزمات الطاحنة استحضار لغة النعرات السياسية، وحين تستنفر وتستجلب على عجل لغة تنتمي إلى عصبيات ما قبل الرأسمالية، وتلبس بأثواب الدفاع عن معاناة الناس وجراحاتهم، في عملية مكشوفة من نزع اللغة، ليس من سياقها بالمعنى المباشر فقط، وإنما عن كامل تاريخ السياق، فإن علينا أن نتوقف ونحذر وأن ننتبه، لأن حالنا هنا ينذر بما هو أسوأ مما نحن عليه.

القصة التي أثيرت حول ما قاله أو صرح به الدكتور مصطفى البرغوثي، أو التي «حيكت» حول ما قاله أو صرح به، مفتعلة ومبيّتة ولا أساس لها، وكل محاولات تفسيرها على أنها تحمل البعد الذي حُمّلت عليه باطلة وليست حقيقية. وجرى التهويل بها، وجرى إلقاؤها في السوق السياسي الفلسطيني، وهو سوق جانبي وفقير من حيث كمية ونوعية البضاعة المتداولة فيه، مثل قنبلة صوتية ليس إلا.

أولاً، ومن حيث المبدأ، لا يوجد، ولا يجب أو يجوز أن يوجد، من هو فوق النقد أو الانتقاد، وهذه مسألة معمول بها ومعهودة في التراث السياسي الفلسطيني قبل أي تراث عربي في هذه المنطقة كلها، وهو تراث محمود وضروري لكل مجتمع، وهو قيمة فلسطينية وجب المحافظة عليها والتمسك بها.

ثانياً، الحق بانتقاد البرغوثي يفترض أنه طبيعي ومكفول للجميع، كما هو حق طبيعي ومكفول الرد أو الدفاع عنه، له أولاً، ولمن شاء ورغب أو رأى.

ثالثاً، وهنا ندخل في صلب الموضوع، أين هي الحقيقة في هذه القصة، لكي نعود فيما بعد إلى خلفياتها الحقيقية؟

تمعنت وراجعت ودققت في كل كلمة من كلام البرغوثي، والذي يفترض أنه السبب المباشر. دعونا مؤقتاً عن الأسباب التي ليس لها علاقة بما قاله. فلم أجد، بكل صدق وصراحة، ما يثير هذا التهويل، أو ما يستدعي ما ذهب إليه القائمون على «إدارة» هذا التهويل.

دعوني هنا أعرج قليلاً على المفهوم قبل الكلمات والتعبيرات. في التراث الكفاحي للشعب الفلسطيني يوجد تمجيد رسمي وشعبي بالأم الفلسطينية الولادة. وفي نفس هذا التراث، يوجد على نطاق واسع، دعوة صريحة لهذه الأم بالإنجاب في سياق كفاح الشعب الفلسطيني ودفاعه عن وطنه ووجوده.

ويوجد لدى المشروع الصهيوني، بالمقابل، مخاوف حقيقية من هذا الدافع. وهذه المسألة لها مسمى سياسي شائع، وهو الصراع على الجبهة الديموغرافية. وهو صراع معلن ومفتوح ومشخّص، وله من الأبعاد في المخططات الصهيونية ما يتصل مباشرة، ودون مواربة، بتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يطاق لكي يرحلوا. وله من الممارسات والسياسات الإسرائيلية، منذ النكبة وحتى يومنا هذا، من التجليات ما بات عنوان عناوين المرحلة، من قتل وتدمير، ومن إبادة جماعية وتطهير عرقي، بهدف إسرائيلي معلن على رؤوس الأشهاد، وهو التهجير.

أي أن الأم الفلسطينية الولادة ليست ابتكاراً خاصاً أو حصرياً لمصطفى البرغوثي، وليس له أي حقوق ملكية فكرية هنا. هذا إذا تحدثنا عن السياق الوطني لهذا المفهوم في واقع الصراع مع المشروع الصهيوني.

أما إذا جئنا إلى السياق الخاص بما قاله، وبما أُخذ عليه، فإن من المحير أن يتم نزع ما قاله عن سنوات طويلة من الدور السياسي والإعلامي، وبالذات المعركة السياسية الإعلامية التي تصدرها البرغوثي، وأبدع في خوضها بصورة يعترف له بها القاصي والداني، في فلسطين والمنطقة وفي العالم كله.

وأظن أن الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني ترى في دوره الإعلامي، بالذات، دوراً مميزاً ومشرفاً، إلى جانب السفير المبدع حسام زملط، وعشرات ومئات الشخصيات والكفاءات الفلسطينية التي سطرت، بعزم ودراية، ملحمة سياسية وإعلامية ساهمت بصورة مباشرة في هذا الانقلاب الهائل الذي شهده العالم في الوعي، والذي تحوّل إلى أحد أهم منجزات الشعب الفلسطيني خلال حرب الألف يوم الأخيرة.

وأثناء المراجعة التي قمت بها لعشرات التصريحات والمقابلات التي قام بها البرغوثي وزملط مع وسائل الإعلام العالمية، ومئات التصريحات والمقابلات التي قام بها البرغوثي، لم أجد، ولا مرة واحدة، أن هناك ما يشوبه أي شائبة حقيقية يمكن أن تؤخذ عليه.

وهو ليس حامي حماة الكفاح المسلح بالسياق الفلسطيني بهذا الكفاح، ونهجه الوطني معروف ومعلن على رؤوس الأشهاد، وهو من دعاة ورعاة وحماة نهج المقاومة الشعبية، وأكثر المتمسكين بها فكرةً ونهجاً ومساهمةً ومشاركةً، بالمقارنة مع معظم القيادات الفلسطينية على الإطلاق.

وهو، لذلك بالذات، لا يمكن أن يكون ما قاله، وما أُخذ عليه، وما أُثيرت هذه الحملة «المباغتة» بسببه، مأخذاً عليه. والأرجح أنه انفعال، مبيّت أو ساذج، أو ربما سياق طبيعي لما وصلنا إليه من تهاوٍ في لغة التخاطب، وما أصبحنا عليه من انكشاف فكري وثقافي مهين لتاريخ شعبنا كله.

معروف أن مصطفى البرغوثي له ميل مبكر لحركة «حماس»، ومعروف أن هذا الميل قد تحوّل، في فترات معينة من الصراع الداخلي والاستقطاب السياسي الحاد، إلى حالة انحياز، حتى ولو كانت ضمنية وغير معلنة رسمياً، بالمقارنة مع مواقفه من الشرعية الرسمية الفلسطينية.

وكان الأجدر بأهل الحملة والقائمين عليها، إذا كان من ضرورة لخوضها، أن يذهبوا بها إلى هناك، وهذا ممكن ومشروع، وربما مطلوب. أما أن يتم الاتكاء على ما تم الاتكاء عليه لتصفية حسابات من على قاعدتها، وباللغة التي تمّت بها، فأغلب الظن هنا أننا قد انحدرنا إلى هاوية جديدة.

كيف يمكن أن تتحول مسألة من هذا القبيل إلى دعوات تحمل في طياتها لغة التهديد والوعيد ومنع الدخول، وإلى الشخصنة وإثارة النعرات والقبليات والعصبيات المناطقية والجغرافية؟ وما الحصيلة التي خرج بها أهل الحملة من هذه القصة المثيرة للحيرة؟

سأقول لكم بكل صراحة ووضوح: إن أهل الحملة قد جانبوا الصواب في مسألتين أساسيتين، وهما ليستا سوى مراهنات وسوء تقدير موهومة.

الأولى، بأنهم نجحوا أو سينجحون بالإساءة الخاصة لسمعة البرغوثي السياسية، بالمقام الأول، لأن الحصيلة التي رأيناها حتى الآن معاكسة تماماً لمثل هذا النجاح. وأظن أن المؤازرة التي حظي بها فاقت كل التوقعات على المستوى الفلسطيني كله، وقبل ردود الأفعال الإقليمية، وحتى الدولية، التي ستأتي تباعاً.

الثانية، حينما اعتقد أهل الحملة أن الرأي العام الفلسطيني سيكتفي بتفسير أسبابها عند حدود الاختلاف في الرأي أو الاجتهاد حول السياسة وملابساتها، وألا يذهب بأسباب هذه الحملة إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد زوايا سياسية مختلفة في النظر إلى مسألة المعاناة لأهلنا في القطاع.

لأن مفهوم «الاستثمار والمتاجرة» في معاناة الناس إن كانت هي جوهر المسألة المثارة، تجوز وتنطبق على الحالتين، ولا يمكن أن يكون الرأي العام هنا على جانب واحد فقط.

ومن هنا يطرح السؤال: ما الذي نفعله بأنفسنا؟ وهل وصلت بنا الأمور إلى هذه الدرجة؟ ما هذا التتويه؟