مضيق هرمز: الصراع الدولي على الهيمنة
نشر بتاريخ: 2026/07/15 (آخر تحديث: 2026/07/16 الساعة: 00:59)

في أسوأ كوابيس الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لم يكن يتوقع أن يمنح إيران قوة أكبر من تلك التي كانت لها قبل الحرب، ويمنحها ورقة إضافية لم تكن بالحسبان وهي السيطرة على مضيق هرمز.

لقد اكتشفت إيران قوة هذه الورقة دولياً خلال حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستخدمتها بشكل جعل الإدارة الأميركية تشعر بإحباط شديد ولا تدري ماذا تفعل لتحييد المضيق ومنع إيران من استخدامه كقوة ضغط كبيرة على أميركا وعلى العالم أجمع.

صحيح إن إيران لم تربح الحرب ولم تنتصر بشكل كامل ولكنها لم تخسر تماماً، ولديها أوراق مهمة لا تستطيع واشنطن نزعها أو تحييدها حتى الآن في الصراع الدائر في منطقة الخليج.

الحسابات الأميركية والإسرائيلية كذلك لم تطابق الواقع، ولا ترسم أبداً صورة دقيقة للموقف ولما يمكن تحقيقه في الخليج. فالأهداف التي وضعتها الدولتان كانت تتمحور في القضاء على النظام الإيراني وأمركة منطقة الخليج بالكامل، كما حصل في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، وآخرها سورية التي استتب فيها الواقع لصالح الهيمنة الأميركية - الإسرائيلية، وهذا لا شك سينعكس على الوضع في لبنان رغم الصعوبات القائمة بسبب مقاومة «حزب الله» ورفضه السماح بالتنفيذ الكامل لهذا المشروع القائم على نزع سلاح الحزب وإنشاء علاقة طبيعية بين إسرائيل ولبنان.

الولايات المتحدة استنفدت تقريباً كل أهدافها في إيران وقامت بقصف مواقع أكثر من مرة، واليوم الرئيس ترامب يهدد بضرب موقع جبل الفأس الذي قال: إنه يحتوي على منشأة نووية تقع مئات الأمتار تحت الأرض، بحيث لا تصل إليها القنابل الأميركية، وكل ما يمكن فعله بها هو إغلاق المنافذ إذا كانت جميعها معروفة للاستخبارات الأميركية. كما أن التهديد بضرب موقع نطنز مرة أخرى لن يجدي نفعاً. وإيران بدوها ستستمر في قصف القواعد الأميركية في الدول العربية، وهذا أيضاً لن يغيّر الواقع كثيراً. فتبادل الضربات على مواقع تأقلمت على هذا الوضع لن يحدث تغييراً جوهرياً في ميزان القوى، بل هو نوع من التفاوض يجري تحت النار.

القوة الأميركية ليست بلا حدود، وقد استنفدت بشكل كبير، والولايات المتحدة لا تستطيع على ما يبدو الدخول من جديد في حرب شاملة قد تطول، فهناك صعوبات لوجستية كبيرة تواجه القوات الأميركية، منها نفاد الذخيرة وتقلص المخزونات الاحتياطية، ومنها كذلك معارضة الكونغرس وتقليص صلاحيات الرئيس في استئناف حرب جديدة ضد إيران دون أخذ موافقة الكونغرس مسبقاً، وأيضاً التبعات المترتبة على هذه الحرب على الدول العربية في الخليج وعلى الاقتصاد العالمي. وطبعاً هناك استبعاد لأن تقوم القوات الأميركية بقصف المنشآت النفطية ومنشآت الطاقة في إيران؛ بسبب تهديد إيران بإشعال المنطقة كلها، أي أنها ستقوم بضرب كل المنشآت المماثلة في المنطقة.

الجانب الآخر المهم في المعادلة هو دور القوى الدولية الأخرى كالصين وروسيا، فالجميع يدرك أنهما لن تقفا مكتوفتَي الأيدي. صحيح أن الدولتين لن تنخرطا مباشرة في الحرب، ولكن دون شك سيقدمان دعماً كبيراً لإيران في مجال المعلومات، خاصة المتعلقة بتواجد وتحرك القوات والقواعد الأميركية، وربما تلجآن لتزويد إيران بمنظومات أسلحة متطورة قادرة على الإصابة والإضرار بالقوات والطائرات الأميركية. وقد اعترفت الولايات المتحدة من خلال تقرير للكونغرس بأن 42 طائرة أميركية متنوعة أصيبت بالنيران الإيرانية منها طائرة أواكس وطائرة تزود بالوقود وطائرات إف 15، وطائرات دون طيار من الأكثر حداثة وتطوراً. كما تم تدمير مقرات قيادة ومنظومات دفاع جوي متطورة. والأميركيون يدركون أن الأيدي الصينية والروسية ليست بعيدة عن ذلك.

لقد أضحت الحرب بين إيران والولايات المتحدة، والتي باتت تتمحور حول مضيق هرمز، حرباً دولية بامتياز تعاد فيها محاولات تقاسم مراكز القوة والنفوذ والهيمنة على هذه المنطقة الحيوية من العالم. فإيران دولة مهمة للغاية سواء بقوتها الاقتصادية وما تمتلكه من مخزونات بترول وغاز، حيث تحتل المرتبة الثانية في احتياط النفط والغاز على مستوى المنطقة والعالم. وأيضاً بسبب موقعها الجغرافي المسيطر على مضيق هرمز والمشاطئ للخليج العربي من أوله إلى آخره. يضاف إلى ذلك قدرتها على التحكم بأذرعها المختلفة في المنطقة، والتأثير على وضع الملاحة في مضيق باب المندب من خلال جماعة «الحوثي»، وأيضاً في لبنان من خلال «حزب الله» وفي العراق عبر التنظيمات الشيعية المتحالفة معها.

الحرب الأميركية - الإيرانية أصبحت مع الوقت حرب استنزاف لا يمكن لأي طرف الانتصار فيها، والحل الوحيد الممكن هو التوصل إلى تسوية سياسية على غرار مذكرة التفاهم السابقة التي لم تلتزم بها الدولتان المتحاربتان، وهذا يتطلب ضغطاً إقليمياً ودولياً كبيراً. فهي لم تعد محصورة في الحدود الإيرانية، بل إن تأثيراتها تطال العالم بأسره، وقد بادرت إليها الولايات المتحدة تحت ضغط إسرائيل التي أعاقت تطبيق مذكرة التفاهم برفضها الموافقة على وقف إطلاق النار في لبنان والاستمرار في احتلال مناطق واسعة منه. كما أنها حرب مخالفة لقواعد القانون الدولي بادرت إليها الولايات المتحدة دون أي مبرر أو مسوغ. وما هو مطلوب الآن فقط تطبيق القانون الدولي على كل الأطراف على الولايات المتحدة بصفتها المبادرة لحرب غير قانونية، وعلى إيران لقيامها بالاعتداء على الدول العربية وتهديد الملاحة الدولية في الخليج. ولكن كيف يمكن لهذا أن يحصل في ظل وجود ترامب الذي يفكر بالسيطرة على مضيق هرمز وتحصيل رسوم حماية بنسبة 20%؟