حرب مفتوحة على العدالة ..!
نشر بتاريخ: 2026/07/26 (آخر تحديث: 2026/07/26 الساعة: 15:33)

لا يحتاج الأمر لكثير من التفكير لمعرفة من الذي أطاح بالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان فمنذ إصدار مذكرتي اعتقال ضد بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت مرتكبي الإبادة الجماعية في غزة أعلنت الحرب على كريم خان لتنتهي بانتصار إسرائيلي ساحق على القانون الدولي لتدمر تاريخ واحد من أشهر رجال العدالة في العالم بشكل وحشي وبعار يلاحقه للأبد بتهمة جنسية وعلاقة مع موظفة مبتدئة ... تلك هي إسرائيل في معاركها غير الأخلاقية التي لا تنزع فيها القفازات فقط بل تنزع فيها الشرف، فهذا لا مكان له في خصومتها ... حتى في صداقتها.

منذ إصدار المحكمة لتلك المذكرات شنت إسرائيل حملة شرسة ضد المحامي البريطاني.

ولكن قبل تلك الحملة وقبل تسريب قصة التحرش التي أطيح بالمدعي العام على أساسها بأسبوعين كان المحامي الإسرائيلي البريطاني «نيكولاس كوفمان» يلتقي بكريم خان يقدم له عرضاً كما قال: «يسمح له بالنزول عن الشجرة»، وقد كشف خان حينها كما نقل موقع ميدل ايست آي بأنه تلقى تحذيراً مفاده أنه «إذا لم يقم بسحب مذكرات التوقيف فإن المحكمة الجنائية الدولية ستدمَّر وسيتم تدميره معها» وقد حصل أول من أمس أما المحكمة نفسها فيبدو أن الإدارة الأميركية ستتكفل بها وخصوصاً أن تنحية المدعي العام لا تلغي مذكرات الاعتقال وهنا ما يجعل ملاحقة الثنائي الخارج عن القانون واشنطن – تل أبيب تستمران في الملاحقة.

بين إسرائيل والعدالة طلاق بائن فهما ضدان لا يلتقيان. فالعدل لا يقبل باحتلال شعب آخر ولقومية أن تتسيد أو تتحكم بقومية أخرى وتقوم بالتنكيل بها ومصادرة حقوقها الوطنية وأحلامها.

لذا كانت إسرائيل في حالة عداء دائم مع العدالة الدولية ورموزها ولم يكن القاضي البريطاني كريم خان الذي تم التصويت لعزله من قبل ممثلي الدول المشاركة في المحكمة الدولية حالة نادرة في استهداف إسرائيل لرجال القانون الدولي.

فقد شنت إسرائيل عام 2009 حملة سياسية ودبلوماسية واسعة ضد القاضي اليهودي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون الذي كلف بالتحقيق في الحرب الإسرائيلية على غزة آنذاك، وخلص بتقريره إلى استخدام إسرائيل للقوة المفرطة واستهداف المدنيين ما يرقى إلى جرائم حرب ينبغي التحقيق فيها.

وبالرغم من أن التقرير وجه نفس الاتهامات للفصائل الفلسطينية إلا أن إسرائيل هاجمت القاضي ومارست عليه ما يكفي من الضغوط وجندت كل أدواتها وإمكانياتها بما فيها الكونغرس اليهودي العالمي ليتراجع غولدستون في مقال كتبه تحت وطأة التهديد والتشهير.

أما فاتوا بنسودا المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية فقد تعرضت لحملة لا تقل بشاعة لإجبارها على إغلاق التحقيق في ملف جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وتعرضت للترهيب إثر زيارة مجهولين لمنزلها في لاهاي وتركهم مبلغاً مالياً.

وقد فرضت عليها إدارة ترامب في ولايته الأولى التي تزامنت مع عمل بنسودا عقوبات قاسية بسبب تحقيقات المحكمة أدت لتجميد حساباتها البنكية وإغلاق حساب الرهن العقاري الخاص بها وتجميد حساب نجلها بالإضافة لعمليات تجسس ومراقبة طالت زوجها.

ولا ينبغي نسيان ما حدث قبل أشهر للمدعية العامة العسكرية في إسرائيل «يفعات تومر يروشالمي» حين فكرت بالخروج عن الخط العام والاشتباه بتسريبها صوراً من سجن سديه تيمان الذي جرى قتل واغتصاب فلسطينيين فيه فقد تم شطبها بلا رحمة.

تلك هي قصة إسرائيل مع العدالة ومع الحق، فقد قيل دائماً إن المجرم يكره النور فهو يريد ارتكاب جريمته في الظلام حيث يتعذر رؤيته ولكن إذا ما جاء أحد ما ليضيء مسرح الجريمة فإنها تطلق عليه النار بلا تردد.

هذا ما حصل مع كل رجال العدالة الذين فكروا بتسليط الضوء على جرائم لم يعد من الممكن تغطيتها بغربال أجهزة الظلام والموساد والرشاوى والابتزاز.

فقد ارتكبت إسرائيل إبادة في وضح النهار، وهي لا تخجل من ارتكابها للجريمة لكنها تخجل من الوقوف أمامها.

فإسرائيل شنت حملة ضارية ضد مدعية إسرائيلية ليس بسبب جريمة السجن بل بسبب الكشف عنها وتسريبها للإعلام.

مفارقة العدالة تتكرس بين كريم خان وإبستين مع كل جديد، فأخيراً جاء اعتراف بتبعية إبستين لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من قبل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قبل عشرة أيام في بودكاست «مع جو روغان اكسبيرينس».

ورغم بشاعة أفعال إبستين فقد مر الأمر مرور الكرام ولم تتم ملاحقة أو مقاضاة أو اتهام أحد بتلك الجرائم المؤذية للبشرية وقيمها وأخلاقها، بينما تتم ملاحقة كريم خان بتهمة إقامة علاقة مع موظفة أو متدربة غير قاصر.

هكذا تكون العدالة وهكذا تتجسد حين تتسلم إسرائيل منصة الحكم عليها وعندما تعطى إسرائيل صلاحية ضرب المؤسسات الدولية، دون أن يتوقف العالم أمام فداحة ما تفعله وكأنه لم يشاهد بعينه كيف وضعت كل الكرة الأرضية على حافة الهاوية والانهيار حين حرضت الرئيس ترامب على حرب عابثة ومكلفة للجميع ... هذه هي إسرائيل دولة لا تتوقف عن نشر الشر، وإذا لم يوقفها العالم سيتلقى نتائج مدمرة ...!