حين ينقلب مجلس السلام على تفاهماته... هل دخلت غزة مرحلة إعادة إنتاج الحرب؟
نشر بتاريخ: 2026/08/05 (آخر تحديث: 2026/08/05 الساعة: 23:43)

بعد انقشاع الضبابية التي أحاطت بالمشهد، وظهور حجم التوافق الإسرائيلي مع الضغوط التي مورست على الحكومة الإسرائيلية، بدا واضحًا أن ما يُسمى بـ"مجلس السلام" قد سارع إلى تقديم ما يرضي إسرائيل، متجاوزًا بصورة لافتة ما نصّت عليه التفاهمات السابقة، وضاربًا بعرض الحائط الجهود التي بذلها الوسطاء للوصول إلى صيغة متوازنة تحظى بقبول الأطراف.

هذا التحول لا يعكس مجرد تعديل في بنود الاتفاق، بل يكشف استعداد المجلس للمخاطرة بتماسكه الداخلي، حتى لو أدى ذلك إلى تمزقه أو انسحاب بعض أعضائه، وربما انهياره بالكامل، مقابل تمرير رؤية تتماهى مع المطالب الإسرائيلية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما الذي حدث، بل إلى أين يقود هذا التحول؟

القراءة السياسية تشير إلى أن المشهد قد لا يتجه نحو سيناريوهات منفصلة، وإنما نحو مسار متدرج من الأحداث، تبدأ حلقاته بتفكك مجلس السلام أو فقدانه القدرة على الاستمرار نتيجة التباينات التي أحدثها انحيازه الواضح، مع تحميل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي مسؤولية إفشال الاتفاق، في محاولة لتوزيع المسؤولية بالتساوي، رغم أن أسباب التعثر الحقيقية قد تكون مختلفة تمامًا.

وإذا ما انهار هذا الإطار السياسي، فإن المرحلة التالية ستكون أكثر خطورة، إذ ستجد إسرائيل الذريعة المناسبة للقول إن المقاومة الفلسطينية تلكأت في تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالسلاح، وإن الاتفاق سقط بسبب عدم جديتها، لتتحول هذه الرواية إلى مبرر للانتقال من المسار السياسي إلى المسار العسكري، تحت عنوان فرض نزع السلاح بالقوة، بما يعني عمليًا العودة إلى القتال بصيغة جديدة تستند إلى شرعية سياسية ودبلوماسية أكثر من استنادها إلى الضرورات العسكرية.

ومع استئناف العمليات العسكرية، من المرجح أن تتبنى الولايات المتحدة هذه الرواية، فتُحمّل حركة حماس مسؤولية ما آلت إليه الأمور، وهو ما يوفر لإسرائيل الغطاء السياسي والدبلوماسي اللازم لاستمرار الحرب، ويمنحها هامشًا أوسع للتحرك دون أن تتحمل وحدها مسؤولية انهيار المسار التفاوضي.

وفي مقابل هذا المسار، يبقى احتمال آخر قائمًا، لكنه مستقل عن التسلسل السابق، ويتمثل في دخول المنطقة مرحلة من المقايضة السياسية الكبرى، حيث تخضع جبهات الصراع لحسابات المصالح الإقليمية والدولية. فقد ترى إسرائيل أن استمرار الحرب في غزة يخدم مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي ويعزز موقعه الداخلي قبل أي استحقاق انتخابي، أو قد يجري احتواء التصعيد في غزة مقابل فتح جبهة أكثر اتساعًا مع إيران، عبر دور أمريكي مباشر أو غير مباشر، لتصبح غزة جزءًا من معادلة إقليمية أكبر، لا مركزها الوحيد.

غير أن اللافت في هذه المرحلة هو أن الخلاف الأمريكي الإسرائيلي لم يعد يُدار خلف الأبواب المغلقة، بل خرج إلى العلن. فقد أقرّ بنيامين نتنياهو بوجود خلافات مع واشنطن، ثم أتبع ذلك بتصريح ذي دلالات استراتيجية حين أكد أن إسرائيل لن تعتمد مستقبلًا على استيراد السلاح، بل ستتجه إلى تصنيعه محليًا. وهذا التصريح لا يُقرأ بوصفه رسالة عسكرية فحسب، بل باعتباره إعلانًا سياسيًا عن رغبة إسرائيل في تقليص ارتباطها بالقيود التي قد تفرضها الرؤية الأمريكية، والسعي إلى توسيع هامش استقلالها في اتخاذ القرار الاستراتيجي.

ومن هنا يمكن استنتاج أن ما يعمل عليه نتنياهو هو تثبيت الوجود الإسرائيلي في قطاع غزة وعدم الانسحاب منه، وهو ما يتعارض، إذا صحّت التفاهمات المتداولة، مع الرؤية الأمريكية لمستقبل القطاع.

فإذا كانت الولايات المتحدة جادة بالفعل في تنفيذ تلك الرؤية، فإن ذلك يقتضي الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الضغط السياسي العلني على إسرائيل، سواء داخل مجلس الأمن أو عبر تبني موقف واضح يحمّل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية تعطيل الاتفاق. أما إذا استمر الغموض الأمريكي، فإن ذلك سيعزز الانطباع بأن الخلاف مع حكومة نتنياهو ليس خلافًا على الأهداف، وإنما على الوسائل والتوقيت فقط.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا بمصير الاتفاق وحده، بل بمستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية نفسها: هل تمتلك واشنطن الإرادة السياسية لفرض رؤيتها إذا اصطدمت بمشروع نتنياهو للبقاء في غزة، أم أن ما يجري لا يتجاوز إعادة توزيع للأدوار تمهيدًا لمرحلة جديدة من الصراع؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير غزة، بل شكل النظام الإقليمي الذي يُعاد تشكيله تحت وقع الحرب، وستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية حقيقية، أم نحو إعادة إنتاج الحرب بأدوات جديدة وعناوين مختلفة، بينما تبقى الأهداف الاستراتيجية على حالها.