شكرًا لكل الدول العربية والغربية، ولكل المؤسسات الإنسانية في مختلف أنحاء العالم، على ما قدمته وما زالت تقدمه لشعبنا الفلسطيني من دعم إنساني وإغاثي في ظل هذه الحرب القاسية.
لقد غمرتمونا بالطرود الغذائية والطبية، والملابس، والمياه، وكل أشكال المساعدات التي يحتاجها الإنسان حين تحاصره الكارثة. وهي مساعدات لا ننكر فضلها، ولا نقلل من قيمتها، فقد أسهمت في إنقاذ أرواح كثيرة، وخففت بعضًا من قسوة الحياة على أهلنا في قطاع غزة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى تستمر الشفقة الإنسانية؟ وهل تحولت القضية الفلسطينية من قضية سياسية وحقوق وطنية إلى مجرد قضية إغاثية وإنسانية؟
لقد أنهكتنا الحرب، وأتعبنا الفقد، واستنزفتنا الخيام، وتهتكت ذاكرتنا الفلسطينية تحت وطأة الموت والنزوح والدمار. والدعم الإنساني، مهما كان كريمًا، يبقى علاجًا مؤقتًا لأزمة صنعتها سياسات الاحتلال والحصار والحرب. فالطرد الإغاثي ينتهي أثره عندما تنفد محتوياته، أما أصل المأساة فيبقى قائمًا ما لم تُعالج جذورها السياسية.
نحن لا نرفض المساعدات، ولا نريد للعالم أن يدير ظهره لمعاناة شعبنا، لكننا نريد إلى جانبها موقفًا سياسيًا شجاعًا يضغط من أجل وقف نزيف الدم الفلسطيني، وكبح سياسات الاحتلال، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام حل سياسي عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.
نريد من العالم العربي والغربي أن يرسل إلينا، إلى جانب الطرود الغذائية والطبية، طرودًا سياسية محمّلة بالقرارات والمواقف والضغوط الدبلوماسية؛ طرودًا تضع حدًا للحرب، وتمنع استمرار المأساة، وتعيد القضية الفلسطينية إلى مكانها الطبيعي باعتبارها قضية شعب وحقوق وأرض وحرية، لا مجرد ملف مساعدات.
إلى الدول العربية الشقيقة نقول: لا تتوقفوا عن إغاثتنا، لكن لا تجعلوا الإغاثة بديلًا عن السياسة. نحن بحاجة إلى الخبز والماء والدواء، لكننا بحاجة أكثر إلى موقف عربي موحد وقادر على التأثير.
نريد أن نعيش بكرامة، لا أن نبقى أحياءً على هامش التاريخ بانتظار الطرد التالي.
لقد طال انتظار الفلسطينيين للعدالة، وطال انتظار العالم للحل السياسي. وبينما تتدفق المساعدات إلى الخيام، يجب أن تتدفق معها إرادة سياسية توقف الحرب وتضع حدًا للاحتلال.
إن الشعب الفلسطيني، كما شعوب أصلية أخرى عانت من الاحتلال والاقتلاع، لا يريد أن تتحول حكايته إلى مجرد فصل في كتاب المآسي الإنسانية. يريد أن تبقى روايته حية، وحقوقه حاضرة، وكرامته مصانة.
لا نريد فقط أن تساعدونا على البقاء... نريد أن تساعدونا على الخلاص من أسباب الموت.
فالإنسانية الحقيقية ليست أن تطعم الضحية إلى ما لا نهاية، بل أن تعمل على إنهاء الظلم الذي جعلها تحتاج إلى الإغاثة أصلًا.
نريد طرودًا إنسانية تُبقي الإنسان حيًا، وطرودًا سياسية تُعيد إليه حريته وكرامته.