طارق يطرق أبواب الغربة في كتاب «غريب في بلادي»
نشر بتاريخ: 2026/08/26 (آخر تحديث: 2026/08/26 الساعة: 13:59)

ليست كل الحروب تُقاس بعدد البيوت التي تهدمت، ولا بحجم الخراب الذي تتركه القذائف خلفها. هناك حرب أخرى أكثر هدوءًا، لكنها أشد قسوة؛ حرب تدور في أعماق الإنسان حين يفقد المكان الذي كان يمنحه الأمان، ويبحث عن صورته القديمة فلا يجدها.

من هنا تأتي رواية «غريب في بلادي» للكاتب الفلسطيني طارق وفيق يوسف الريس، الصادرة عن دار القاهرة اليوم، بوصفها أكثر من سيرة ذاتية مستوحاة من أحداث حقيقية؛ إنها محاولة لالتقاط ما لا تستطيع الكاميرا أن تراه، وحكاية إنسان يعيش في قلب الضياع.

طارق الريس، خريج بكالوريوس التجارة، تخصص المحاسبة، من جامعة الأزهر في غزة، اختار أن يكتب تجربته لا بلغة الأرقام التي درسها، وإنما بلغة الذاكرة والمشاعر والأسئلة. ويضع كتابه القارئ أمام غزة أخرى؛ غزة الإنسان الذي نزح، وفقد بيته، وحمل أبناءه من مكان إلى آخر، ووقف عاجزًا أمام احتياجاتهم في زمن الحرب والجوع، ثم اكتشف أن المدينة التي يعرفها لم تعد المدينة نفسها.

العنوان وحده يحمل وجع الحكاية: «غريب في بلادي».

فالغربة ليست دائمًا أن تعبر الحدود وتترك الوطن خلفك. أحيانًا تكون الغربة أن تبقى في المكان نفسه، وأن تمشي في شوارعه التي حفظتها خطوة خطوة، ثم تشعر أنك لا تعرفها. أن تبحث عن بيتك فلا تجد سوى الذاكرة، وعن الجيران فلا تجد إلا أسماءً تسكن في القلب، وأخرى تحت التراب، وعن تفاصيل حياتك القديمة فتكتشف أن الحرب أخذت منها ما هو أبعد من الممتلكات.

وهنا تكمن القيمة الإنسانية للعمل؛ فهو لا يتحدث عن الحرب باعتبارها حدثًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها تجربة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.

في «غريب في بلادي» لا يبدو الخراب خارجيًا فقط. ثمة خرائط جديدة تتشكل داخل النفس، وحنين إلى حياة كانت تبدو عادية قبل أن تصبح حلمًا. الأشياء الصغيرة التي لم نكن نلتفت إليها تصبح بعد الفقد كنوزًا: غرفة، نافذة، شارع، فنجان قهوة، صوت قريب، أو صباح عادي لم نكن نعرف أنه كان نعمة.

ويبدو أن طارق الريس أراد من خلال كتابه أن يقول إن الوطن ليس جغرافيا فقط؛ الوطن ذاكرة ووجوه وأصوات وأماكن صغيرة تتراكم في وجدان الإنسان حتى تصبح جزءًا من هويته.

ولذلك فإن «غريب في بلادي» لا تحكي حكاية طارق وحده، رغم أن تجربته هي نقطة انطلاقها، بل تفتح الباب أمام حكايات آلاف الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم أمام السؤال ذاته: كيف يمكن أن يبقى الإنسان في وطنه، ثم يشعر بأنه فقد الوطن الذي كان يعرفه؟

ولطارق الريس تجربة سابقة في الكتابة بعنوان «وطن على ورق»، ما يؤكد انشغاله بفكرة الوطن بوصفها قضية إنسانية ووجدانية، لا مجرد حدود مرسومة على الخريطة.

إن «غريب في بلادي» كتاب عن غزة، لكنه في جوهره كتاب عن الإنسان عندما تضيق به الأمكنة، وعن الذاكرة عندما تصبح آخر بيت يمكن اللجوء إليه.

وربما يكون أقسى ما في الغربة أن تظل واقفًا على أرض وطنك، لكنك تبحث فيه عن نفسك القديمة ولا تجدها.

هنا يطرق طارق الريس أبواب الغربة، لا ليبحث عن وطن بديل، بل ليبحث عن الوطن الذي يسكن في الذاكرة، وعن الإنسان الذي بقي حيًا رغم أن الحرب غيّرت كل ما حوله.