القائد دحلان يطرح رؤية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني: شراكة وطنية ودولة مؤسسات
نشر بتاريخ: 2026/08/29 (آخر تحديث: 2026/08/29 الساعة: 13:01)

أبو ظبي: دعا رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي، محمد دحلان، إلى إجراء مراجعة وطنية شاملة للتجربة السياسية الفلسطينية، مؤكدًا أن حجم ما تعرض له الشعب الفلسطيني من فقدان ودمار، وما أصاب المشروع الوطني من انقسام وتراجع، يفرض الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة تقوم على الشراكة والمواطنة وسيادة القانون.

جاء ذلك في رسالة وجهها القائد دحلان إلى قيادات وكوادر وأعضاء تيار الإصلاح الديمقراطي، شدد خلالها على أن المرحلة المقبلة تتطلب “مراجعة صادقة وشجاعة”، ليس بهدف محاكمة الماضي أو تصفية الحسابات، وإنما لفهم ما حدث واستخلاص الدروس والعمل على منع تكرار الأخطاء.

نص  الرسالة كاملًا..

رسالة الأخ القائد محمد دحلان (أبو فادي) رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي

الأخوات والأخوة .. ..

قيادات وكوادر وأعضاء تيار الإصلاح الديمقراطي ..

تحية طيبة .. وبعد ،،،

تستدعي المسؤولية الوطنية والأخلاقية، بعد كل ما مرّ به شعبنا من فقدانٍ وألمٍ ودمار، وما أصاب مشروعنا الوطني من انقسامٍ وتراجع، ألا نتعامل مع ما جرى وكأنه محطةٌ عابرة، أو أن نذهب إلى المستقبل بالأفكار والأدوات التي قادتنا إلى هذا الواقع، فالكارثة التي أصابت غزة، وما تواجهه الضفة والقدس من أخطار، وما لحق بمؤسساتنا الوطنية من انهيارٍ وضعفٍ وتفكك، يفرض علينا مراجعةً صادقةً وشجاعة؛ لا لمحاكمة الماضي أو تصفية الحسابات، بل لفهم ما حدث، واستخلاص دروسه، ومنع تكراره، وبالتالي لم يعد السؤال الأهم: من كان على حق ومن أخطأ؟، بل: كيف نحمي شعبنا وقضيتنا وننقذ أهلنا في غزة ونحمي شعبنا وأرضنا في الضفة والقدس؟، وأي نظامٍ سياسيٍ نريد أن ننشئه للأجيال القادمة؟ ولا تتجاوز الشعوب كوارثها بإنكارها، بل حين تتمكن من تحويل الألم إلى درس، والتجربة إلى وعي، والوعي إلى تغيير.

أولًا: المشكلة في النظام لا في التعددية

ننظر في تيار الإصلاح الديمقراطي إلى المرحلة المقبلة باعتبارها وسيلة لبناء نظامٍ سياسيٍ يقوم على الشراكة ويحفظ هويتنا الوطنية، ويحمي المواطن وكرامته، ويعيد للشعب حقه في اختيار قيادته ومحاسبتها؟، وهذه ليست رؤية فرضتها الظروف الحالية، فمنذ الانتخابات الفلسطينية الأولى عام 1996، كنت مؤمنًا بأن النظام السياسي الفلسطيني لا يستقيم بإقصاء القوى الأخرى، وأن الاختلاف يجب أن يُدار داخل المؤسسات، لا في الشارع أو باستخدام السلاح.

أثبتت التجربة أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود فتح أو حماس أو باقي التنظيمات، بل في غياب نظامٍ قادرٍ على إدارة هذا التعدد وفق قواعد واحدة تحكم الجميع، فعندما تصبح التنظيمات أقوى من المؤسسات، والمصلحة الفصائلية مقدمة على المصلحة الوطنية، يتحول الاختلاف إلى صراع، والصراع إلى انقسام، وهذا ما دفع شعبنا ثمنه طوال السنوات الماضية.

ثانيًا: مراجعة الماضي بمسؤوليةٍ لا بإنكار

تبدأ المرحلة الجديدة بالاعتراف بما حدث، لكن الاعتراف بالمسؤولية الوطنية لا يعني أن الأخطاء كانت واحدة أو أن المسؤوليات متساوية، هناك من أخطأ في التقدير السياسي، ومن أخفق في إدارة المؤسسات، ومن مارس الإقصاء، ومن استخدم السلطة والمال العام في الخصومة، ومن لجأ إلى القوة والسلاح، ومن فشل في منع الانقسام، ومن أسهم في إطالة عمره أو أغلق أبواب المصالحة، لذلك لا نريد مصالحةً تطمس الحقيقة، ولا وحدة تقوم على النسيان، ولا رواية يبرئ فيها كل طرف نفسه ويلقي بالكارثة على الآخرين، فقد كان الاقتتال الداخلي جريمة وطنية، ومن أهم ما يجب أن نتعلمه من تجربتنا أن الدم الفلسطيني محرّم في الصراع السياسي، والسلاح لا يحدد من يحكم، والقوة لا تمنح الشرعية، ويتوجب علينا أن نراجع تجربتنا بشجاعة، نعترف بما أخطأنا فيه، ونتعلم منه، لأن الهدف ليس إثبات من كان أكثر صوابًا، بل ضمان ألا يدفع شعبنا مرة أخرى ثمن أخطائنا.

ثالثًا: من صراع السلطة إلى شراكة الوطن

قد نختلف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة، وقد تكون بيننا خلافات عميقة، لكن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق إلغاء الآخر، نريد أن تنتقل بعلاقتنا جميعًا من محاولة إضعاف الآخر إلى التنافس أمام الشعب، ومن الصراع على السلطة إلى الشراكة في حماية الوطن، والقاعدة التي يجب أن تحكم الجميع بسيطة: لا غالب ولا مغلوب في الوطن، ولا سلطة تُكتسب أو تُحمى بالسلاح، ولا شرعية فوق إرادة الشعب، والشراكة التي ندعو إليها لا تعني العودة إلى المحاصصة الفصائلية، فالشعب الفلسطيني أكبر من مجموع فصائله.

رابعًا: من حكم الفصائل إلى دولة المواطنين

لا يدعو تيارنا إلى إلغاء الفصائل أو هوياتها أو تاريخها، ومن حق كل قوة أن تحتفظ ببرنامجها وأن تتنافس على ثقة الناس، لكن ما يجب أن يتغير هو علاقتها بالدولة، فالفصيل يستطيع أن يفوز بالحكم، لكنه لا يملك الدولة، فالدولة لا تصبح ملكًا للحزب إذا فاز، والأمن والقضاء والإدارة والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات للمواطنين، لا أدوات لتنظيم أو حزب، والسلطة ليست ملكية دائمة لأحد، بل تفويض مؤقت يمنحه الشعب عبر الانتخابات ويستطيع استرداده بالطريقة ذاتها، وما نريده ليس انتقال الهيمنة من طرفٍ إلى آخر، ولا إعادة توزيع مؤسسات الدولة كحصصٍ بين الفصائل، بل الانتقال من المحاصصة إلى دولة المواطنة والمؤسسات والقانون.

خامسًا: عقد وطني اجتماعي جديد

لا تكفي مصالحة جديدة بين الفصائل إذا بقي النظام الذي أنتج الانقسام كما هو، لذا فنحن بحاجةٍ إلى عقدٍ وطنيٍ اجتماعيٍ جديدٍ يحدد قواعد الحياة السياسية، ويضع حدودًا لا يستطيع فرد أو فصيل أو سلطة تجاوزها:

الشعب هو مصدر الشرعية والسلطات.

الانتخابات الحرة والدورية هي الطريق إلى تداول السلطة.

نتائج الانتخابات تُحترم ولا يجوز الانقلاب عليها أو تعطيلها.

القانون والمؤسسات فوق الأفراد والتنظيمات.

لا احتكار للسلطة أو التمثيل أو القرار الوطني.

استخدام السلاح والقوة في الصراعات الداخلية محرّم وطنيًا.

السلاح والقوة المنظمة يخضعان للسلطة الشرعية والقانون.

لا قرار بالحرب أو السلم إلا عبر مرجعيةٍ وطنيةٍ شرعيةٍ وجامعة.

الأجهزة الأمنية والمال العام والوظيفة العامة مؤسسات وطنية لا أدوات حزبية.

الحقوق والحريات وكرامة المواطن مصونة للجميع.

المجتمع بكل مكوناته شريك في صناعة القرار.

الخلاف يُحسم بالحوار والقانون وصندوق الاقتراع.

المسؤولية والمحاسبة تسريان على الجميع بلا استثناء.

هذه المبادئ يجب ألا تبقى شعارات، بل أن تتحول إلى قواعد دستوريةٍ وقانونيةٍ ومؤسساتيةٍ تحمي النظام السياسي من العودة إلى أخطاء الماضي.

سادسًا: مسؤوليتنا

لا يطرح تيار الإصلاح الديمقراطي هذه الرؤية بحثًا عن موقعٍ في النظام القديم، ولا لكي نستبدل طرفًا بطرف، نريد حركة فتح قوية وموحدة وديمقراطية، ونريد أن تكون جميع القوى الفلسطينية شريكة في الحياة السياسية، ونريد المستقلين والمجتمع والكفاءات شركاء في القرار، هدفنا ليس أن يحل طرفٌ محل طرف، بل أن يتغير النظام الذي سمح لأي طرفٍ باحتكار السلطة أو إقصاء الآخرين، لقد دفع شعبنا من الدم والدمار والانقسام ما يكفي، ولم يعد من حق أي منا أن يورث الأجيال القادمة صراعاته القديمة ثم يقف أمام التاريخ مدافعًا عن مبرراته.

مسؤوليتنا تقتضي أن ننظر بعين الشراكة الكاملة مع أهم مكونين في مجتمعنا الفلسطيني، المرأة والشباب، فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي الشريك الذي يمكن الاعتماد عليه دومًا لأداء أعظم الأدوار، وتمكينها مجتمعيًا ووطنيًا وسياسيًا يساهم في تسريع عجلة التنمية وضمان استقرار المجتمع، وكما كانت على الدوام على استعدادٍ تامٍ للتضحية فإن الضرورة تقتضي أن يكون موقعها في صناعة القرار بذات النسبة التي تمثلها في المجتمع، أما الشباب فليس من حق أي فئةٍ عمريةٍ أن تدّعي تمثيلهم دون إرادةٍ منهم، فالشباب اليوم هم جيل التغييرات الرقمية والتكنولوجية الهائلة، وهم الأقدر على تحديد احتياجاتهم وترتيب أولوياتهم واقتراح دورهم في البناء الوطني، ومسؤوليتنا تقتضي أن نأخذ بأيديهم، تربيةً وتعليمًا وتدريبًا وتمكينًا، حتى يكونوا على جهوزيةٍ لاستلام الدفة، والانتقال بثقةٍ واقتدارٍ نحو المستقبل.

مسؤوليتنا اليوم أن نفتح طريقًا مختلفًا؛ يجعل الاختلاف حق لا تهديدًا، والتعددية قوة لا سببًا للانقسام، والانتخابات وسيلةً لتداول السلطة، والمؤسسات أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من الجميع.

عشتم وعاشت فلسطين حرة

ومعًا نبني وطننا ومستقبلنا