غزة تختار بين من حكمها ومن حملها
نشر بتاريخ: 2026/08/31 (آخر تحديث: 2026/09/01 الساعة: 01:21)

غزة اليوم لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى إجابة عن سؤال بسيط وقاسٍ:

من وقف معها عندما كانت تنزف؟ ومن حمل عنها شيئاً من وجعها عندما كانت تبحث عن الماء والغذاء والمأوى؟

في لحظة المحنة، تسقط الأقنعة السياسية، ويبقى الإنسان.

وهنا تصبح المقارنة بين أبو مازن محمود عباس وأبو فادي محمد دحلان أكثر تعقيداً من مجرد صراع داخل حركة فتح؛ إنها مقارنة بين الموقع الرسمي والموقف الإنساني، بين الشرعية السياسية والقدرة على الفعل، وبين علاقة السياسي بالمكان وعلاقة الإنسان بجذوره.

أبو مازن يمتلك الشرعية الرسمية وموقع الرئاسة والقدرة على التحرك السياسي والدبلوماسي. وهذه أدوات لا يمكن الاستهانة بها، خصوصاً في معركة إعادة إعمار غزة وإعادة إدماجها في النظام السياسي الفلسطيني.

أما أبو فادي، فإن صورته في غزة ارتبطت، لدى مؤيديه، بالمساعدات والمشاريع الاجتماعية والإغاثية، وبمحاولة الوصول إلى الفقراء والأيتام والأرامل والجرحى.

وهنا تكمن المفارقة:

أبو مازن يمثل فلسطين الرسمية، بينما يقدم دحلان نفسه باعتباره ابن غزة الذي لم تنقطع صلته بأهلها.

فدحلان ابن خان يونس، وغزة بالنسبة إليه ليست عنواناً سياسياً فقط؛ إنها المكان الذي ولد فيه، والذاكرة التي تشكل فيها، والجغرافيا التي صنعت جزءاً من هويته.

لكن علينا أن نكون أكثر دقة: لا يكفي أن نقول إن أحداً أعطى والآخر لم يعطِ، ولا أن نختزل تاريخ غزة في شخص واحد. الأرقام المتداولة حول حجم الأموال التي وصلت إلى غزة عبر الدعم الإماراتي وقنوات مرتبطة بدحلان كبيرة جداً، وبعضها يتجاوز ثلاثة مليارات دولار عند احتساب سنوات ومشاريع متعددة، لكن هذه الأرقام تحتاج إلى توثيق تفصيلي حتى تتحول إلى حقيقة قابلة للمقارنة.

المعيار الحقيقي إذن ليس المال وحده، بل ماذا فعلنا به؟ وماذا سنفعل بعد الحرب؟

غزة لا تريد صدقات مؤقتة.

غزة تريد إعماراً دائماً، واقتصاداً، ومستشفيات، ومدارس، ومساكن، ومياه وكهرباء، وفرص عمل، وأمناً، وكرامة.

وقبل كل ذلك تريد ألا يُهجر أهلها.

غزة لا تريد أن يختار أحدٌ عنها

المطلوب اليوم ليس أن تختار غزة بين أبو مازن وأبو فادي، وإنما أن يختار الاثنان غزة.

إذا كان أبو مازن يمتلك الشرعية الرسمية، فليستخدمها من أجل انتزاع حق غزة في الإعمار والوحدة والبقاء.

وإذا كان دحلان يمتلك العلاقات العربية والدولية والقدرة على تحريك الموارد والمشاريع، فليوظفها في مشروع وطني جامع لإعادة بناء غزة.

غزة لا تحتاج إلى انتصار رجل على رجل؛ تحتاج إلى انتصار فلسطين على الخراب.

والسؤال التاريخي الذي سيبقى بعد سنوات لن يكون: من ربح الصراع داخل فتح؟

بل سيكون:

من أعاد بناء غزة؟

من أعاد أطفالها إلى مدارسهم؟

من أعاد الحياة إلى شوارعها؟

ومن منع نكبة جديدة عنوانها التهجير؟

إذا استطاع أبو مازن أن يحول الشرعية إلى مشروع إنقاذ وطني، فسيكون قد دخل التاريخ من باب غزة.

وإذا استطاع أبو فادي أن يحول علاقاته وإمكاناته إلى مشروع إعمار فلسطيني جامع، فسيكون قد دخل التاريخ أيضاً من باب غزة.

أما إذا بقي الفلسطينيون أسرى الانقسام، فإن غزة ستبقى تدفع الثمن.

الشروق ينادي الغروب

ولذلك أقول:

أبو فادي الشروق ينادي أبو مازن الغروب.

ليس نداء إقصاء، وإنما نداء عبور.

فالغروب ليس بالضرورة نهاية؛ قد يكون اللحظة التي تسبق الشروق.

وغزة اليوم تنتظر شروقاً فلسطينياً جديداً.

تنتظر من يعيد بناءها، ومن يعيد شعبها إليها، ومن يحفظ أرضها من التهجير، ومن يجعلها مرة أخرى مدينة للحياة والحضارة والتاريخ.

فإن كان في فلسطين أمثال أبو فادي، وإن امتلك أبو مازن شجاعة تحويل موقعه الرسمي إلى مشروع وحدة وإعمار، فإن غزة ستعود.

ستعود أقوى.

وستُبنى من جديد.

وستستعيد مجدها.

وستظل غزة فلسطينية، لا لأنها بقيت على الخريطة فقط، بل لأن شعبها بقي فيها.

وهنا يكون الميزان الحقيقي:

ليس من حكم غزة... بل من حمل غزة.

وليس من تحدث باسمها... بل من وقف معها.

وليس من امتلك السلطة... بل من امتلك القدرة على إعادة الحياة إليها.

غزة في الميزان... والتاريخ هو القاضي.