عباس والمصالحة المؤجلة… حين يصبح توحيد فتح خطراً على مشروع المستقبل العباسي
نشر بتاريخ: 2026/09/01 (آخر تحديث: 2026/09/01 الساعة: 16:25)

 

من المستفيد من بقاء فتح منقسمة؟ ومن يخشى أن تستعيد الحركة توازنها؟ ولماذا تبدو المصالحة الداخلية دائماً مؤجلة عندما تقترب؟

هذه ليست أسئلة عابرة ولا هي مجرد مناكفة بين قيادات فتح.

إنها أسئلة تتعلق بمستقبل حركة قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود وبمستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته.

فالمصالحة داخل فتح لا تعني أن يتصافح المختلفون أمام الكاميرات ولا أن يعود بعض المبعدين إلى مقاعدهم بقرار فوقي.

المصالحة الحقيقية تعني شيئاً أخطر بالنسبة إلى منظومة الأمر الواقع إعادة فتح ميزان القوة داخل الحركة.

تعني أن يعود القرار إلى المؤسسات.

أن يعود النظام الداخلي حكماً.

أن تستعيد القاعدة الفتحاوية حقها في الاختيار.

أن تعود القيادات التي أُقصيت إلى حقها الطبيعي في المنافسة.

أن تصبح المواقع التنظيمية استحقاقاً انتخابياً لا مكافأة سياسية.

وأن يصبح مستقبل فتح مفتوحاً أمام أكثر من اسم وأكثر من خيار.

وهنا تحديداً تكمن العقدة.

عباس… الرئيس الذي اجتمعت في يده مفاتيح القرار

لا يمكن فهم أزمة فتح بمعزل عن طبيعة السلطة التي تراكمت خلال سنوات حكم محمود عباس.

فالرجل يجمع في يده رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية ورئاسة منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسة حركة فتح إضافة إلى موقع القائد العام للقوات المسلحة.

قد تكون لكل موقع مرجعيته القانونية والتنظيمية لكن اجتماع هذه المراكز في شخص واحد مع ضعف التوازن المؤسسي أنتج واقعاً سياسياً شديد التركيز.

وحين تتركز السلطة في مركز واحد فإن النفوذ لا يتوقف عند حدود صاحب المركز بل يبدأ في صناعة دائرة تدور حوله.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالدائرة المحيطة بمركز القرار لا تكتفي عادة بالحفاظ على مواقعها بل تبحث عن توسيعها وإعادة إنتاجها.

فتجد الوجوه نفسها حاضرة في أكثر من موقع وفي أكثر من لجنة وفي أكثر من دائرة وفي كل استحقاق تنظيمي تقريباً.

يترشح هذا للمركزية ويرأس ذاك دائرة وينوب ثالث عن الرئيس ثم تجد الأسماء نفسها في انتخابات اللجان والمجالس والهيئات.

مرة أخرى المشكلة ليست في حق أحد في الترشح.

المشكلة عندما يصبح التنافس شكلياً وتتحول شبكة القرب من مركز القرار إلى طريق مختصر نحو مواقع القرار.

عندها لا تعود القضية قضية أفراد.

بل تصبح قضية نظام سياسي وتنظيمي يعيد إنتاج نفسه.

لماذا تخيف المصالحة بعض أصحاب النفوذ؟

لأن المصالحة الحقيقية ستعيد المنافسة.

والمنافسة تعني أن لا أحد يستطيع أن يضمن موقعه مسبقاً.

وأن لا أحد يستطيع أن يعرف من سيكون غداً في اللجنة المركزية.

وأن القاعدة هي التي تختار.

وأن الأسماء التي جرى إقصاؤها أو تهميشها ستعود إلى ساحة بقوة الى المنافسة.

وهنا يصبح مفهوماً لماذا ظلت المصالحة الفتحاوية طوال سنوات تدور في المنطقة الرمادية

لا قطيعة كاملة… ولا مصالحة كاملة.

لا عودة حقيقية… ولا إغلاق نهائي للملف.

لا انتخابات تفتح الطريق أمام الجميع… ولا تسوية تعيد إنتاج التوازن.

مصالحات ناقصة تكفي لإدارة الأزمة لكنها لا تكفي لإنهائها.

وهذا هو الفارق.

ياسر محمود عباس المشكلة…

حين يصل ياسر عباس إلى اللجنة المركزية لحركة فتح فإن القضية لا ينبغي أن تُختزل في شخصه.

من حق أي فلسطيني من حيث المبدأ أن يمارس العمل السياسي والتنظيمي وأن يترشح للمواقع التي يسمح بها النظام.

لكن السياسة لا تقرأ الأشخاص بمعزل عن السياق.

والسياق هنا شديد الحساسية.

رئيس الحركة يملك في الوقت نفسه موقعاً مركزياً في النظام السياسي الفلسطيني والحركة تعاني منذ سنوات من الإقصاء والانقسام والتهميش والمصالحة الداخلية لم تُنجز ومراكز القرار تتركز في دائرة ضيقة.

ثم يأتي نجل الرئيس إلى أعلى هيئة قيادية في الحركة.

هل يُطلب من الناس ألا يسألوا؟

السؤال هنا ليس اتهاماً.

السؤال هو عين السياسة.

والذين يريدون إغلاق باب الأسئلة هم الذين يخلقون الشبهات لا الذين يطرحونها.

المشكلة ليست في العائلة… بل في توريث النفوذ بعد اقصاء كل حر وكل حريص وكل معارض لحالة الاستفراد ليفتح لنفسة باب التوريث توريث المنصب والنفوذ والشبكات ومفاتيح الوصول إلى القرار.

وهنا يمكن الخطر.

لأن الدولة الحديثة لا تُورث فيها المفاتيح.

والحركات الوطنية لا تتحول إلى ملكية عائلة.

فتح ليست شركة خاصة

هناك حقيقة يجب أن تقال بصراحة:

فتح ليست ملكاً لمحمود عباس.

وليست ملكاً للجنة المركزية.

وليست ملكاً لأي عائلة.

فتح ملك لأبنائها وتاريخها وقاعدتها.

والسلطة الفلسطينية ليست ملكاً لرئيسها.

ومنظمة التحرير ليست ملكاً لفرد.

ومؤسسات الدولة ليست ملكاً للدائرة المحيطة بمركز القرار.

هذه المؤسسات وجدت لخدمة الشعب الفلسطيني لا لإعادة إنتاج النفوذ السياسي لشخص أو مجموعة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس

من سيخلف عباس؟

بل:

من سيختار خليفة عباس؟

 

هل يختاره الرئيس؟

 

هل تختاره الدائرة المحيطة به؟

 

هل يُصنع داخل الغرف المغلقة؟

 

أم تختاره المؤسسات والقاعدة والصندوق؟

 

هنا تكمن المعركة الحقيقية.

 

من يملك مفاتيح المستقبل؟

 

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة وطنية هو أن تتحول مرحلة ما بعد قائدها إلى مشروع هندسي مسبق.

 

أن يجري إضعاف المنافسين.

 

وتفريغ المؤسسات من استقلالها.

 

وتدوير المواقع بين الأشخاص أنفسهم.

 

ثم يُطلب من الجميع الانتظار حتى تأتي لحظة الانتقال.

 

لكن لحظة الانتقال إذا جاءت تكون قد حُسمت مسبقاً.

 

وهنا يصبح الانقسام داخل فتح ليس مشكلة فقط… بل أداة سياسية.

 

لأن الحركة المنقسمة أسهل في السيطرة.

 

والحركة التي تخاف من المصالحة تخاف بالضرورة من المنافسة.

 

والحركة التي تخاف من المنافسة تخاف من القاعدة.

 

والحركة التي تخاف من القاعدة لا تستطيع أن تدعي أنها ديمقراطية.

 

المصالحة ليست منة من عباس

 

وهنا يجب قلب المعادلة.

 

المصالحة ليست هدية من الرئيس.

 

وليست تنازلاً شخصياً منه.

 

وليست مكافأة يقدمها لمن يريد.

 

المصالحة حق تنظيمي وسياسي لأبناء فتح.

 

وحق الفلسطينيين أن يروا حركة وطنية قادرة على تجديد نفسها.

 

وحق القاعدة أن تختار.

 

وحق المختلف أن ينافس.

 

وحق المبعد أن يعود.

 

وحق المؤسسة أن تكون أقوى من الفرد.

 

ولهذا فإن أي مصالحة لا تعيد هذه القواعد ليست مصالحة.

 

إنها مجرد إدارة جديدة للانقسام القديم

 

عباس أمام السؤال الأصعب

 

اليوم وبعد سنوات طويلة من القيادة لم يعد السؤال ماذا فعل محمود عباس فقط.

 

السؤال الأهم:

 

ماذا سيترك محمود عباس وراءه؟

 

هل سيترك فتح موحدة قادرة على إنتاج قياداتها؟

 

أم حركة منهكة ضعيفة متصارعة تخشى المنافسة وتنتظر إشارة من مركز القرار؟

 

هل سيترك مؤسسات قوية؟

 

أم منظومة تعتمد على الأشخاص؟

 

هل سيترك انتخابات حقيقية؟

 

أم ترتيبات مسبقة؟

 

هل سيترك مستقبلاً مفتوحاً أمام الفلسطينيين؟

 

أم مستقبلاً يبدو وكأنه جرى تصميمه داخل دائرة ضيقة؟

 

هذه هي المسؤولية التاريخية.

 

ولذلك فإن المطلوب ليس إسقاط شخص

 

ولا تصفية حسابات.

 

ولا استبدال دائرة بدائرة.

 

المطلوب إسقاط فكرة أن فتح يمكن أن تُدار كملكية خاصة وأن مستقبل الشعب الفلسطيني يمكن أن يُرتب داخل دائرة مغلقة.

 

فتح بحاجة إلى مصالحة حقيقية.

 

وفلسطين بحاجة إلى مؤسسات حقيقية.

 

والمرحلة القادمة بحاجة إلى قيادة تستمد شرعيتها من الناس ومن الميدان لا من قربها من مركز القرار.

 

وفي النهاية هناك سؤال واحد يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الجميع:

 

هل يريد محمود عباس أن يكتب اسمه في تاريخ فتح باعتباره الرجل الذي حافظ على الحركة لنفسه أم باعتباره الرجل الذي امتلك الشجاعة ليعيدها إلى أصحابها؟

 

فالتاريخ لا يحاسب القادة فقط على ما أخذوه من السلطة.

 

بل يحاسبهم أيضاً على ما رفضوا أن يعيدوه إلى الناس

 

والوقت لم يعد يسمح بمزيد من التأجيل

 

إما فتح تتسع للجميع… أو ستبقى ضيقة بما يكفي لتتسع لدائرة واحدة.

 

إما أن يكون المستقبل للفتحاويين… أو أن يبقى المستقبل رهينة لمن يملك مفاتيح الحاضر.