حصاد ثلاث سنوات حرب في الشرق الأوسط
نشر بتاريخ: 2026/09/18 (آخر تحديث: 2026/09/18 الساعة: 15:17)

تقترب الحرب الإسرائيلية - الأميركية على الشرق الأوسط، من إكمال عامها الثالث، وذلك في يوم أشعل فيه «طوفان الأقصى» فتيل حرب ما زالت فصولها مستمرة، حتى هذا اليوم، فيما لا أحد بإمكانه أن يتوقع متى ستتوقف، أو تنطفئ نارها، وعلى أي شكل أو نتيجة، بما يعني أو يؤكد أن هذه الحرب لم تكن مثل الحروب العديدة التي عرفناها، هنا في المنطقة العربية، والتي كانت إسرائيل دائماً أحد طرفيها، فيما تعدد الطرف الآخر، فحيناً كان ست دول عربية، كما حدث ذلك في حرب 48، أو ثلاث دول عربية، كما في حرب 67، أو دولتين عربيتين، وكان ذلك عام 73، أو ضد الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية 82، أو ضد حزب الله بعد ذلك عام 2000، وعام 2006.

هذه الحرب مختلفة من عدة زوايا عن كل الحروب التي سبقتها، فهي تعتبر أطول حرب خاضتها إسرائيل ضد العرب، وكانت أطول حرب قبل ذلك قد خاضتها ضد الثورة الفلسطينية عام 82، واستمرت 88 يوماً، كذلك شهدت هذه الحرب دخول الداخل الاسرائيلي ميدان الحرب، سواء في اليوم الأول، يوم الطوفان، أو بعد ذلك من خلال صواريخ حماس، أو صواريخ حزب الله وأنصار الله ومن ثم إيران ومسيراتهم، وبذلك شهدت سقوط ضحايا مدنيين إسرائيليين، وتعرض إسرائيل لتدمير كثير من المنشآت المدنية إلى جانب العسكرية بالطبع، كما أن إسرائيل في هذه الحرب واجهت أكثر من ثلاث جبهات معاً، وهذا أمر واجهته من قبل في العام 48 فقط، مع هذا فقد كان أهم تطور لصالح إسرائيل، هو دخول أميركا بشكل عسكري ومباشر معها الحرب، وذلك في مناسبتين، في حزيران من العام الماضي 2025، وإن كان لليلة واحدة، حين قصفت الطائرات الشبح الأميركية مفاعلات تخصيب اليورانيوم، خاصة في «فوردو»، وفي 28 شباط الماضي، حيث واصلت أميركا مع إسرائيل حرباً قاسية

ضد إيران لمدة ستة أسابيع تقريباً، بينما لم تضع الحرب أوزارها بعد، وإن كان من الممكن القول، إن وجهتها أو طبيعتها، بما يحتمل تجددها، وحتى بدرجة أوسع، أو إعلان إنهائها وذلك بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي وانتخابات الكونغرس النصفية الأميركية، أمر وارد.

والحقيقة أنه بعد حرب قاسية استمرت أكثر من أربعين يوماً، وكان ذلك في نيسان الماضي، شهدت حالة الحرب حدثين مهمين، أولهما توقيع وثيقة التفاهم بين أميركا وإيران، في حزيران، ثم إعلان عملية «المنبوذ الاقتصادي» الأميركية ضد إيران، فيما كانت إسرائيل قد أجبرت على وقف إطلاق النار ضد إيران منذ نيسان، بينما واصلته ضد لبنان رغم اتفاقية 2024، وكذلك في غزة رغم مبادرة ترامب عام 2025، ولأنه عادة لا يقوم أحد بمراجعة نتائج الحرب، أو إعلان حصادها قبل انتهائها أو وقفها رسمياً، إلا أن الحصاد الذي تحقق حتى اللحظة، إضافة إلى محطتي الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، التي من المرجح أن تؤثر بشكل حاسم على الحرب لجهة وقفها تماماً، أو تجديدها بشكل أوسع، يمكن التوقف أمامه والنظر إليه، ارتباطاً بما تحقق من مواجهة عسكرية حتى الآن، بعد مرور ثلاث سنوات، ومقارنة ذلك الذي تحقق بأهداف الحرب المعلنة وحتى المضمرة، خاصة من قبل الجانب الإسرائيلي/الأميركي.

لا بد من الإشارة أولاً وقبل كل شيء، إلى أن الطرف الإسرائيلي/الأميركي لم ينتصر، وإنه لم يحقق أهدافه الرئيسة منها على الأقل، وإلا لكانت الحرب قد توقفت منذ زمن، ولو كان كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو صادقين حين قالا إنهما دمرا معظم قوة حزب الله، وقوة إيران العسكرية، وأوقفا برنامجها النووي وأعاداه سنين طويلة إلى الوراء، لتوقفت الحرب، ولأعلنا انتصارهما، بعد حرب الإثني عشر يوماً، لكن شنهما لحرب الأربعين يوماً، لم يكن بسبب عدم سقوط النظام الإيراني، ولا بسبب عدم استسلام إيران دون شروط، ولكن لأن أياً من أهدافهم الرئيسة، سواء الخاص باليورانيوم المخصب، أو الصواريخ والمسيرات، أو أطراف محور المقاومة، لم يتحقق، لكن ذلك لم يعن بأي حال أن جبهة أو جبهات الخصم لم تلحق بها الخسائر، وأن صمودها وعدم سقوطها أو استسلامها، لا يعني أنها لم تخسر الكثير من القتلى، أو أنها لم تتعرض للدمار والخسائر الاقتصادية.

ورغم أن الحروب عادة ما توقع الخسائر على الطرفين، وبصرف النظر عمن تكون خسائره أكثر، فإن النتيجة تجعل المنتصر ينسى ما خسره في الحرب، فيما الهزيمة تجعل من المهزوم ينسى صموده حتى لو وقف نداً سنين، وحتى لو كان أوقع في العدو خسائر أكثر مما خسر هو، وكان هذا - بالمناسبة - حال الحرب العالمية الثانية، حيث خسر أعداء ألمانيا ومحورها أضعاف ما خسرته من ضحايا خاصة في روسيا وأوروبا الشرقية، ولحق بالدول المنتصرة دمار وخراب أكثر بكثير مما وقع على الجانب الألماني، لكن ذلك لم يعن شيئاً لمن سجلوا التاريخ، ومن قاموا بإعداد تقاريرهم عن حصاد الحرب.

فيما يخص جانب الضحايا وقعت في جانب الجبهات خسائر بشرية أضعاف ما وقع على الجانب الإسرائيلي ومن ثم الأميركي بالطبع، ومعظم الضحايا كانوا على الجبهة الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة، الذي تعرض لحرب إبادة، بينما كان عدد الضحايا على الجبهة اللبنانية في المرتبة الثانية من حيث العدد، وكذلك جاء عدد الضحايا في الضفة الفلسطينية كبيراً، مقارنة بما وقع من ضحايا على الجانب الإسرائيلي، ثم الإيراني بالأميركي، ويعود ذلك بالطبع، إلى أمرين، هما: إدخال المدنيين ميدان الحرب، وجعلهم أهدافاً للقتال، ثم فارق القوة النارية، أو الإمكانيات العسكرية على مستوى التدمير، حيث الفارق شاسع لصالح الطرف الإسرائيلي الأميركي الذي لديه كم هائل على كل الجبهات على هذا الصعيد، وقد ألقى أطنان المتفجرات على مواقع ومبانٍ وبنى تحتية في كل جبهات الجانب الآخر من الحرب.

كذلك كان هناك عدم تماثل في الخسائر الاقتصادية سواء المنظورة منها، أو بعيدة المدى، ويمكن الإشارة هنا إلى تقديرات المؤسسات الدولية لما يحتاجه قطاع غزة من مليارات لإعادة الحياة الطبيعية، فضلا عن المدى الزمني، الذي يتجاوز سنين قد تصل إلى خانتين، لإعادة ترميم القطاع، هذا في حال توفر المال المرجح أن يكون مستحيلاً، أصلاً، لإعادة الإعمار، كذلك يمكن القول إن خسائر إيران ولبنان بسبب الدمار في المنازل والبنى التحتية وتعطل الاقتصاد هي مليارات تتجاوز المئات منها، أما على صعيد الخسائر البشرية والاقتصادية على الجانبين الإسرائيلي والأميركي، فإن الخسائر كانت أقل بكثير، يكفي أن نشير إلى أن أقل من ألفي قتيل سقطوا على الجانب الإسرائيلي، وهذا بالمقارنة مع غزة فقط، يعني أن ضحايا غزة كانوا نحو خمسين ضعفاً من ضحايا إسرائيل، أما أميركا فلم يكن شعبها ولا بلادها ضمن ميدان الحرب، وقد خسرت أقل من عشرين قتيلاً فقط.

أهم الخسائر في ميدان القتال على الجانب المعتدي، الإسرائيلي/ الأميركي كانت في الذخيرة والعتاد، وقد واصل المتابعون الحديث الذي ما زال متواتراً عن نفاد المخزون الأميركي الاستراتيجي من الصواريخ خاصة ثاد وباتريوت، وقد ظهر ذلك التقدير بشكل مؤكد في الاستهداف الإيراني الأخير للقواعد العسكرية في الأردن.

وبالطبع هذا ينطبق على إسرائيل أيضاً.

ثم كانت الخسائر السياسية على الجانب الإسرائيلي/الأميركي فادحة، فلم تتعرض إسرائيل منذ قيامها، ولم تتعرض دولة أخرى لما تعرضت له من إدانة ورفض وحتى إجراءات سياسية من قبل كل العالم، باستثناء البيت الأبيض فقط، وإذا كانت إسرائيل هي التي أعدت الظروف منذ ثلاثين سنة لانفجار الطوفان، وذلك بهدف تحويل الحرب إلى حرب لإقامة إسرائيل الكبرى، فقد فشلت في هذا تماماً، وحتى ما يدعيه قادة الحرب الإسرائيليون من إنجازات تتمثل في المناطق الأمنية في غزة ولبنان وسورية، هي نتائج غير نهائية، أما أميركا فهي لم تحقق هدفها الأهم وهو تعزيز نظامها العالمي بالسيطرة على نفط الشرق الأوسط، والتحكم بالطاقة التي تستهلكها الصين ودول شرق آسيا وغرب أوروبا، ولم تفشل في تعزيز مكانة إسرائيل الشرق أوسطية بتدمير برنامج إيران النووي وقتها وتحطيم حلفائها، وحسب، بل هي خسرت رصيدها في المنطقة، وأهم ركيزتين لنظامها العالمي في الشرق الأوسط، وهما قواعدها العسكرية، وسيطرتها على الممرات المائية.

وإسرائيل بدلاً من تعزيز اتفاقات أبراهام، أوجدت لها خلال الحرب أعداء جدداً، اضطروا للتحالف معاً: باكستان وتركيا والسعودية، وقصفت قطر، وستكون مكشوفة تماماً، حين تعلن أميركا سحب قواعدها رسمياً، فيما سيطرت إيران واليمن على هرمز وباب المندب، يعني أن أميركا فقدت عرشها العالمي، وإسرائيل لن تجد أمامها سوى حل الدولتين.