تـرامـب بـيـن هـزيـمـتـيـن
نشر بتاريخ: 2026/09/25 (آخر تحديث: 2026/09/25 الساعة: 14:42)

سنتجنب في محاولة توقّعنا لما سيفعله أو يقرره الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الفترة القادمة، التقديرات التي تستعيد أو تستذكر تاريخه كتاجر عقارات، صاحب كتاب «فن الصفقة». الذي حدد مواصفاته كرجل ماكر ومخادع، لا يدخل السوق إلا وقد أشاع فيه الأقاويل، للخروج بالأرباح استناداً إلى إيهام الخصوم بمواصفات مبالغ فيها مما يعرضه من سلع، وسندلل عما نود قوله أو توقعه، مما سبق للرجل وأن قام بفعله، ولن نعود إلى الوراء كثيراً، بل يكفينا أن نقول: إن ترامب في الحالتين اللتين أقدم فيهما على شن الحرب على إيران، في حزيران العام 2025، وفي شباط 2026، كان في الحالتين يجري تفاوضاً جدياً مع الإيرانيين، ومن ثم فاجأهم وفاجأ حتى الوسطاء بحرب ماكرة، تعمّد ذلك حتى يباغت الخصم، فيوقع به أكبر الخسائر، بل محاولاً أن يسقطه بالضربة القاضية استناداً على أميرن، المباغتة وحجم الضربة الأولى الهائل.

هكذا كان حال ترامب مع الحرب: يلقي بأقوى ما لديه في الضربة الأولى، ومن ثم من الطبيعي حتى وهو يواصل الحرب، نقصد حرب الأربعين يوماً، أن ينخفض منسوب القوة، أو على الأقل يصير معتاداً، وبما أن الخصم لم يسقط بالضربة الأولى - القاضية، فإن صموده بعد ذلك يصبح منطقياً وطبيعياً، ومن بديهية الثقافة السياسية أن تكون إيران وغيرها قد أدركت هذه الحقيقة، لذا فإن كل تهديدات ترامب باستخدام القوة المفرطة، لم تخفْ إيران، بل صارت مع مرور الوقت ومع تكرارها أمراً مثيراً للسخرية والتندر، وباتت كلاماً فاشلاً تماماً في تأدية الغرض منه، وهو تهيئة الأجواء لصفقة سياسية على طريقة ترامب التجارية، يحقق فيها الربح بالتهويل، وخير دليل على هذا «وثيقة التفاهم» التي جاءت بعد حرب الأربعين يوماً، مترافقة مع تهديدات يومية، بمسح إيران من الخارطة السياسية، أو تدمير حضارة 5 آلاف سنة، أو إعادتها للعصر الحجري وما إلى ذلك، فيما جاءت الوثيقة «صفقة سياسية» ناجحة أو مربحة ولكن لصالح إيران وليس لصالحه.

وما يؤكد هذا هو تنصله منها رسمياً بعد أسابيع على توقيعها، فلماذا وقّعها إذاً؟ الجواب كان كامناً في صفة أخرى من صفات تاجر العقارات، وهي الخديعة وعدم الالتزام، وإجبار الخصم على اللجوء إلى القضاء، فهو كان يعتقد، كما فعلت أميركا مع إيران من قبل، بأنه مجرد تنفيذ البند الأول، وهو فتح مضيق هرمز، يتنصل ولا يلتزم بتنفيذ بقية بنود الوثيقة، ولأن إيران ما كان لها أن تلدغ من الجحر الأميركي للمرة الثالثة، لم تسارع بفتح المضيق قبل أن تفرج أميركا عن أموالها المجمدة، وقبل أن تشرع بسحب قطاعاتها العسكرية من الخليج وبحر عُمان وبحر الحرب، أما ما نود أن نشير إليه في هذه المقالة، هو ما قاله ترامب وكرره أكثر من مرة، من أن الإيرانيين يتوسلون للتفاوض، وكل مرة كان يفاوض فيها كان يرجع الأمر إلى أنه فعل ذلك بناء على طلب الحلفاء في الخليج أو الوسطاء، كان يدعي، وكان يكذب دائماً، أن الخصم أو الآخرين هم من يريد التفاوض، وأنه في موقع القوي الذي لا يفكر في هذا.

مع أن العديد من التسريبات والتقارير كانت تقول غير هذا، والقوة التي لا تجعل من صاحبها يسعى أكثر من خصمه للتفاوض ليس بالضرورة القوة العسكرية، وصحيح أن الميدان يقول: إن إيران حققت الردع إلى حد ما، ميدانياً وعسكرياً.. لكن مواصلة الحرب، لا تعني أنها ستنتهي بنصر عسكري لصالحها، لذا هي ما زالت لا تبادر إلى الاشتباك العسكري مع الجانب الأميركي، وحتى آخر عمليات عسكرية قامت بها أميركا حول هرمز، ردت عليها إيران للتأكيد على الردع، وحتى هذه اللحظة لم تبدأ أو تبادر إيران بشن غارة أو إطلاق صاروخ على قطع أو قواعد أميركية، إلا كردٍّ، المهم أن القوة التفاوضية، تكمن في أمور أخرى، ظاهرة للعيان والمتابعة، نقصد الضغط الاقتصادي والضغط الانتخابي، والضغط الاقتصادي، حالياً هو ساحة قتال، هو ضاغط على إيران بالحصار، وبما سمّيت عملية «المنبوذ الاقتصادي» غير المُحكمة، لأسباب دولية، وضاغط على أميركا على شكل تضخم في أسعار السلع، خاصة المرتبطة بالوقود.

أما الضغط الانتخابي فهو خاص بالجانب الأميركي، الذي لم يعد أمامه كثير من الوقت، مع أقل من أربعين يوماً على موعد أنتخابات الكونغرس النصفية، ورغم أن ترامب قد لا يكون مهتماً جداً بمستقل الحزب الجمهوري، خاصة في انتخابات 2028 كما هو حال نائبه مثلاً، جي دي فانس، الذي يمني النفس بالترشح لمنصب الرئيس في تلك الانتخابات، لذلك هو أقل من ترامب شغفاً بالمغامرة العسكرية في الشرق الأوسط، لكن ترامب معني بانتخابات التجديد النصفي أكثر، بل كآخر محطة انتخابية تثير اهتمامه، وذلك لأن أغلبية ديمقراطية تنجم عنها ستقيّد يدَيه وتشل حركته وتجعله أقل تفرداً وتحكماً بالسياسة الأميركية.

في هذا السياق، يمكننا أن نفهم المفارقة التي جعلت من أميركا وخارجيتها التي لا تتخذ قراراً بالموافقة على أو منع دخول أي من زعماء العالم إلى نيويورك للمشاركة في الاجتماع السنوي للأمم المتحدة، بالسماح للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي بلاده في حالة حرب مع أميركا، بالدخول إليها ومنع الرئيس الفلسطيني، الذي ليس هو ولا بلده في حالة حرب لا معه ولا حتى مع إسرائيل، رغم أن إسرائيل تواصل الحرب على فلسطين بجناحَيها في غزة وفي الضفة، والسبب الذي يحل اللغز أو يفسر المفارقة، هو أن ترامب مضطر للاستمرار في المراهنة على دعم اللوبي الصهيوني لمرشحيه، وكأنه يتخذ القرار لصالح إسرائيل، أما أميركا فقد باتت تهمّه بدرجة أقل، لذا هو منح بزشكيان تأشيرة الدخول، من أجل مصلحته ومصلحة حزبه الانتخابية، ولأنه يسعى للتفاوض مع الإيرانيين أكثر مما كان في الماضي، وبشكل لم يعد قادراً على إخفائه.

قبل أيام قال: إنه يمكنه أن يتلقى أو أنه يتوقع أن يلتقي الرئيس الإيراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم يبدو أنه قد تقدم خطوة عملية بعد الخطوة الإعلامية، وطلب وفق «سي إن إن» من مستشاريه أن يرتبوا له لقاء مع المسؤولين الإيرانيين الموجودين في نيويورك للمشاركة في الاجتماع الأممي، وهذا يعني ترتيب اللقاء مع الرئيس الإيراني بعد أن أعلن مكتبه ذلك، لكن «تواضع» ترامب أو على الأقل عدم تأكده تماماً من حضور بزشكيان جعله يطلب ترتيب اللقاء مع المسؤولين الإيرانيين أياً كان مستواهم السياسي، ولو كان في وضع أفضل لما قبل بأقل من الرئيس الإيراني للقائه.

المهم أن ترامب في حقيقة الأمر، لم يعد يتمتع «برفاهية الوقت»، وهو الآن محاصر بين «هزيمتين»: إحداهما أو كليهما، وأقصي ما بات يمكنه فعله، هو تقليل حجم الخسارة أو الهزيمة، هناك داخل أميركا فيما يخص صناديق الاقتراع، فإن كان من المرجح أن يخسر بحزبه الجمهوري أغلبية مجلس النواب، فعلى الأقل يحافظ على أغلبية مجلس الشيوخ، أما الخسارة الثانية فهي الإقرار بتحكم إيران بمضيق هرمز، وهو كان مخيراً، في وثيقة التفاهم، بأحد خيارَين، أو أن إيران كانت تقبل بأن يختار: إما أن يفرج عن أموالها المجمدة، أو أن يتركها تحصّل رسوماً من هرمز، بدلاً من تلك الأموال، أو على الأقل تعويضاً عمّا ألحقه بها من خسائر بفعل التدمير، والآن إيران لا تقبل بأقل من وثيقة التفاهم التي أقرت لها بإدارة المضيق بعد التفاهم مع عُمان، وفي كل الأحوال لا علاقة لأميركا إلا بمنطق «البلطجة» بهرمز، فإذا كان هو يقول: إنه لا يحق لإيران وهي المشاطئة لهرمز بنسبة 70% مع عُمان بنسبة أقل، أن تغلق المضيق، فمن باب أولى القول: إنه لا علاقة لأميركا، التي تبعد 11 ألف كيلومتر عن المضيق، به لا من قريب ولا من بعيد.

وعلى ترامب أن يقر بهزيمته أولاً أمام إيران، وفرصته الأخيرة الآن، وفرصته جاءت في نيويورك، وذلك حتى لا يؤكد هزيمته الانتخابية، فعدم إقراره بهزيمته أمام إيران الآن يعني أن يصل إلى مراكز الاقتراع بتضخم يطيح بشكل مؤكد بأغلبيته في الكونغرس، وإن حدث ذلك، فإن الأغلبية الديمقراطية المعارضة للحرب، ستمنعه من مواصلتها، وستجعله يقر بهزيمته فيها لاحقاً، لذلك فليس أمامه إلا أن يتوسل لقاء بزشكيان، وأن يوافق على هزيمة مستترة، ربما تكون على شكل إعادة تظهير لوثيقة التفاهم، ويبدو أن الأمور تذهب على هذا النحو بعد لقاء عراقجي - ويتكوف في نيويورك، والذي كشف عنه ترامب بنفسه.