ترامب غير المتوقع: الضرب في كل الاتجاهات
نشر بتاريخ: 2026/10/21 (آخر تحديث: 2026/10/21 الساعة: 12:36)

لم تشهد السياسة الأميركية تذبذباً في المواقف وتناقضات غريبة كالتي يحدثها الرئيس دونالد ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض، خاصة في ولايته الثانية. وهذا السلوك الرئاسي الأميركي يضع حلفاء الولايات المتحدة في موقف محرج يضطرهم في بعض الأحيان للخروج عن صمتهم والتعبير عن خيبة أملهم من الشريك الأكبر وحتى معارضتهم للسياسة الأميركية. وقد بدأت إشكاليات ترامب مع حلفاء أميركا بالموقف من حلف «الناتو» والحرب الأوكرانية والحرب في الخليج والأزمة الاقتصادية التي تشهدها أوروبا بسبب هذه الحرب، وأيضاً بسبب إجراءات اقتصادية أخرى. وأخيراً التدخل السافر وغير المسبوق في الانتخابات الإسرائيلية لصالح رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.

ومنذ دخوله البيت الأبيض فرض الرئيس ترامب على أوروبا تحمّل تكاليف إضافية في تمويل حلف «الناتو»، حيث أجبر الشركاء في أوروبا على تخصيص 5% من موازناتهم للإنفاق على الدفاع. وقلّص الدعم العسكري لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، وحمّل الأوروبيين تكلفة السلاح الذي تقدمه الولايات المتحدة لأوكرانيا. وباع الأوروبيين النفط والغاز بأسعار كبيرة جداً بعد أن توقفوا عن شراء منتجات البترول والغاز الروسية الرخيصة. كما فرض ترامب على أوروبا دفع رسوم جمركية إضافية بعد أن غير سياسة الولايات المتحدة تجاه معظم دول العالم التي تربطها علاقات تجارية مع أميركا. وهذا ينطبق على شركاء الولايات المتحدة الكبار خارج أوروبا.

الصدمة الكبرى التي سببها ترامب للأوروبيين مؤخراً كانت بالاتفاق مع روسيا على شراء الديزل الروسي. فالصفقة الأميركية الروسية التي تمت بين الرئيس فلاديمير بوتين وبين ترامب شكلت ضربة كبيرة للجهود الأوروبية لمحاصرة روسيا والإضرار باقتصادها، وأتت في وقت تحضّر فيه أوروبا حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، خاصة بعد أن قدمت أوروبا الدعم لكييف وشجعتها على ضرب منشآت الطاقة في روسيا بهدف خلق مشاكل كبيرة للرئيس بوتين داخل روسيا. والآن هناك في الواقع تناقض كبير بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وبين ترامب على خلفية الصفقة مع روسيا والطلب من زيلينسكي التوقف عن استهداف مصافي البترول ومنشآت الطاقة في روسيا. وبعد أن أعلن ترامب عن اتفاق أوكراني روسي على التوقف عن ضرب محطات الطاقة والبنية التحتية الخاصة بها دون علم زيلينسكي. واستمر الأخير بتجاهل هذا الاتفاق الذي لم يكن طرفاً فيه. وعليه قامت أميركا بوقف الدعم التقني المقدم لأوكرانيا من «ستار لينك» التابع لإيلون ماسك والذي كان يساعد أوكرانيا في التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية إلى حد ما. ووصل التوتر بين زيلينسكي وترامب حد اتهام الأول لترامب بخيانة أوكرانيا رغم نفي الأخير أي تغيير في تقديم الدعم الفني لأوكرانيا.

والآن تحّمل أوروبا ترامب مسؤولية الاضطرابات التي تشهدها بسبب غلاء المعيشة. وازدادت حدة الانتقادات الأوروبية لترامب على خلفية استمرار حرب إيران التي تسببت في ارتفاع أسعار الوقود وغلاء المعيشة في أوروبا والعالم. ويعتبر كثير من القادة الأوروبيين هذه الحرب غير شرعية وتمّت بتوريط إسرائيلي لترامب الذي لا يستطيع التراجع لأنه لم يحقق الأهداف التي أعلنها. ويرون في استمرار الحرب خسارة كبيرة يتحمل تبعاتها الاقتصادية كل العالم، خاصة أوروبا التي تعاني أصلاً من ضائقة اقتصادية بسبب كلفة الحرب الأوكرانية الروسية. ولعل المثال الأبرز لتراشق الاتهامات مع ترامب ما صرح به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اتهم ترامب صراحة بالتسبب في غلاء المعيشة والاضطرابات في فرنسا وأوروبا. أما ترامب فحمّل بدوره فرنسا المسؤولية عما آلت إليه أوضاعها وعزا السبب لسياسة الأبواب المفتوحة للهجرة.

وفي سابقة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية قام ترامب بالإعلان صراحة بتقديم دعمه الكامل لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لتولّي منصب رئيس الحكومة معللاً ذلك بأن عدم فوز نتنياهو في الانتخابات سيضطر أميركا للقيام بالمهمة ضد إيران لوحدها وهذا ما لا يحبذه. وتقول مصادر إسرائيلية: إنه مورست ضغوط كبيرة على ترامب لتقديم الدعم لنتنياهو الذي يترنح وعلى وشك السقوط. ولقي موقف ترامب معارضة شديدة في إسرائيل لأنه اعتبر تدخلاً سافراً في الانتخابات التي هي شأن داخلي إسرائيلي. وقد تغير موقف ترامب من الإعلان أنه لا يثق بأحد، خاصة نتنياهو الذي اختلف معه حول خطته الخاصة بغزة وحتى حول إدارة ملف الحرب مع إيران.

لا يتوقع أن يغير تأييد ترامب لنتنياهو المعادلة الانتخابية في إسرائيل. فهناك من يعتقد أنه إذا استفاد نتنياهو من هذا الدعم فإنه قد يزيد من مقاعد حزب «الليكود» داخل معسكر نتنياهو وعلى حساب أحزاب من ائتلافه. وهناك من يرى أن هذا قد يضر بنتنياهو ويظهر عجزه وفشله واستعانته بأطراف خارجية في قضية داخلية محضة. واستطلاعات الرأي التي أجريت بعد إعلان ترامب دعمه لنتنياهو لم تظهر أي تغيير يذكر في توزيع المقاعد بين كتلتَي الحكومة والمعارضة. واستطلاعات الرأي التي أجريت بعد إعلان ترامب أظهرت بقاء الأمور على ما هي عليه، حيث أظهر استطلاعا قناتَي التلفزيون الإسرائيليتين «12» و»13»، اللذان أجريا الإثنين الماضي، أن آيزنكوت لا يزال يتفوق على نتنياهو، والمعارضة تتفوق بفارق ليس كبيراً على الائتلاف الحاكم (55 مقعداً مقابل 51، و51 مقعداً مقابل 50) على التوالي. ويبقى السؤال ماذا سيفعل ترامب مع نتنياهو بعد زيارة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث سراً لإسرائيل، الإثنين الماضي، ولقائه مع نتنياهو؟