المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي هو في جوهر مشروعها الصهيوني
نشر بتاريخ: 2026/10/27 (آخر تحديث: 2026/10/27 الساعة: 02:40)

منذ أن تأسس الكيان الصهيوني وأقام دولة «إسرائيل» على أنقاض «النكبة» عام 1948 وأعلن وثيقة الاستقلال، ثم توسع لاحقًا باحتلال أراضي عام 1967، ودولة الكيان الصهيوني تعيش أزمات متعددة، إن كانت داخلية نتيجة طبيعة المجتمع المنقسم إثنيًا ودينيًا، ولاحقًا المنقسم من حيث طبيعة المشروع من جهة، والمتفق من جهة أخرى على النظرة تجاه الشعب الفلسطيني، وبغض النظر عن طريقة أو أسلوب التعامل معه، لأن الهدف لدى الكل هو اقتلاعه من جذوره ودفن روايته الوطنية وحلمه في العودة وتقرير المصير.لذلك، فإن المأزق الاستراتيجي للمشروع الصهيوني مع الشعب الفلسطيني لا حلول له، لا عبر فك الارتباط، ولا وفق مفهوم الانفصال أحادي الجانب، ولا من خلال تقليص الصراع أو إدارته، ولا عبر مشاريع سلام منقوصة مثل «اتفاق أوسلو»، والسبب في ذلك طبيعة المشروع الصهيوني الذي هو مزيج استعماري إحلالي ديني توراتي، ويرفع شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»… هذا الشعار يعني تهجير الشعب الفلسطيني ككل من أرضه، لأن الأرض التي استوطنوها ظهر فوقها شعب، وهذا لا يستقيم لا مع جوهر الشعار ولا مع طبيعة المشروع.كما أن مفهوم الدولتين يتناقض جذريًا مع الشعار والمشروع أعلاه، فوجود دولة فلسطينية ينفي كل المشروع الصهيوني السياسي والديني التوراتي، فأرض ما بين البحر والنهر أساس لانطلاق المشروع الصهيوني الأكبر ككل في المنطقة، وهو المرحلة الأولى لتأسيس «إسرائيل الكبرى»، وأي انتقاص منها واقتطاع جزء منها للدولة الفلسطينية يعني انتفاء صحة وشرعية المشروع الصهيوني الديني، ليس لدى اليهود فحسب، وإنما لدى من ينتظرون من «المسيانيين-الإنجيليين» نزول السيد «المسيح» وفقًا لـ«نبوءات آخر الزمان»، فمن «زكريا، إصحاح 12-14»، إلى «متى 24»، إلى «سفر الرؤيا، إصحاح 16-19»، كل ذلك مرتبط بتعاظم قوة إسرائيل ثم تعرضها للخطر، وينزل المسيح لأجل الخلاص وإقامة الحكومة العالمية التي ستحكم العالم من عاصمتها «أورشليم».إذًا، طبيعة المأزق الاستراتيجي لدى نخب دولة الكيان الصهيوني هي خليط غير متجانس بين السياسي الصهيوني العلماني وبين الصهيوني الديني، «يهوديًا كان أو مسيانيًا»، مما يعني أن تحقيق المشروع والخروج من المأزق لدى الصهيوني العلماني يكمن في نموذج الولايات المتحدة وكندا، «التطهير العرقي»، وهذا له عواقب كبيرة تحدث عنها «نتنياهو» دون ذكرها، وأشار إلى أن دولة الكيان الصهيوني سوف تتعرض إلى عقوبات اقتصادية، وأنه طلب وضع خطة في كيفية تجاوز هذه العقوبات عبر «العملات الرقمية»، وهذا وحده يشير إلى المخطط القادم تجاه الشعب الفلسطيني.في حين أن الصهيوني الديني بشقيه، «الكاهاني الديني القومي» أو «الحردلي الصهيوني»، لا مشكلة لديه في كيفية التخلص من الفلسطيني، لأن الحل موجود في التوراة: «قتل، طرد، أو خادم للسيد». فالكل «غوييم» ما عدا اليهودي النقي الذي جاء من أم يهودية، أي أن لديهم قانونًا «إلهيًا» ينطبق عليهم وملزمين بتطبيقه، وهذا أعلى من أي قانون وضعي مهما كان مسماه: «إنساني دولي، أخلاقي، قانون أساس إسرائيلي… إلخ».ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، تعمقت أزمة المشروع الصهيوني، لأن «الجدار الحديدي» انهار، وسقطت كل المقولات التي تتحدث عن «الردع» وعن «الإخضاع» وفرض السلام بالقوة وفق رؤية «القوة ومزيدًا من القوة».السابع من تشرين الأول/أكتوبر دفع بقوة نحو تطبيق الحل دفعة واحدة، وليس بشكل تدريجي، لأن الخطر الوجودي على الكيان الصهيوني ليس في ظهور قنبلة «نووية» إيرانية، إنما في القنبلة النووية المتمثلة في وجود الشعب الفلسطيني في جغرافيا ما بين البحر والنهر، وهذا الوجود هو ما يشكل المأزق الاستراتيجي للمشروع الصهيوني، لذلك يجب التخلص منه بالإبادة والتطهير العرقي.وهنا ظهرت مشاريع التهجير التي لا تزال على طاولة صناع القرار، وعلى رأسهم «نتنياهو»، وقامت دولة الكيان الصهيوني بعملية «جينوسايد» شاملة في قطاع غزة لا تزال مستمرة، رافقها صمت دولي وعربي وإسلامي رسمي، غطته حكومات الولايات المتحدة الأمريكية الديمقراطية، «الرئيس بايدن»، ولاحقًا الجمهورية، «الرئيس ترامب». في الوقت نفسه، بدأت عملية تطهير عرقي (ethnic cleansing) في الضفة الغربية، التي لا تزال مستمرة، ورأس حربتها المستوطنون المتطرفون الإرهابيون، وبدعم كامل من حكومة اليمين المتطرف التي يقودها «نتنياهو».كل هذا وضع دولة الكيان الصهيوني في مأزق استراتيجي لا خلاص منه بالعودة للمشاريع القديمة، فإما أن تستمر في مشروعها الذي بدأته بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، مشروع التهجير والتطهير العرقي، وتتحمل العواقب التي قد تؤدي إلى حصار وعقوبات اقتصادية من المجتمع الدولي، وحتى من الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة الانقلاب غير المسبوق في الرأي العام العالمي المناهض لدولة الكيان والمطالب بمعاقبتها، بل وصل في جزء من الرأي العام إلى المطالبة بإنهاء دولة الكيان الصهيوني ككل، أو الذهاب نحو حل يعطي الشعب الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه، وهذا يتناقض مع المشروع الصهيوني.ما بين الذهاب نحو مشروع تهجير الشعب الفلسطيني، أو الذهاب نحو الموافقة على قيام دولة فلسطينية، فإن المشروع الصهيوني وصل إلى نهايته، لأن صفة الأمن والسلام والازدهار انتهت، فالمأزق الاستراتيجي لا حلول له سوى بتفكيك أسسه التي قام عليها، وبناء أساس جديد ينفي القديم ويؤسس لمفهوم الدولة الواحدة، دولة المواطنين، وليس دولة اليهود، الدولة العلمانية الديمقراطية التي تساوي بين جميع مواطنيها، وبغض النظر عن دينهم وإثنيتهم وعرقهم. وغير ذلك، هو وصفة لاستمرار سفك الدماء تحت يافطة تحقيق «النبوءات»، دينية كانت أم مشاريع استعمارية سياسية.