قبل الحرب، كنت أقف على الحدود الشرقية لحي الشجاعية، أتأمل نبتة البامية، زهرة الحدود التي اعتادت أن تواجه الأسلاك الشائكة، شاهدةً على حكاية الأرض وأهلها. كنت أراها تقاوم قسوة المكان، حتى خُيّل إليّ ذات مساء أن زهراتها أغمضت عيونها من شدة التعب، وهمست في وجه الريح: لقد أتعبت الحروب المتعاقبة هذا الشعب، وأثقلت ذاكرته بالمآسي. أتذكرون مسيرات العودة الكبرى؟ يوم خرج الفلسطينيون يحملون حقهم في العودة، فعاد بعضهم شهداء، وبعضهم جرحى، وآخرون بأجساد مبتورة الأطراف، لكنهم لم يتخلوا عن الحلم.
بدت لي البامية وكأنها تستعيد تلك الوجوه التي وقفت خلف الأسلاك الشائكة، والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، والشباب الذين دفعوا من أجسادهم ثمن الاقتراب من حلم العودة. ثم رفعت زهراتها نحو الأرض، كأنها تسأل: كم حرباً يحتاج هذا الشعب كي ينال حقه في الحياة؟ وكم جرحاً ينبغي أن تنزف هذه الأرض قبل أن تختفي الأسلاك وتعود الحدود إلى أصحابها؟
لكن الحرب جاءت لتعيد رسم الجغرافيا بالنار والدمار. لم تكتفِ آلة الحرب الإسرائيلية بتدمير المكان، بل أعادت تشكيل حدوده، وتقدمت المكعبات الصفراء، في إشارة إلى المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، لتتحول إلى علامات ميدانية تتمدد على حساب الأرض الفلسطينية.
في الليل، كانت المكعبات الصفراء تتقدم خلسة، تزحف بصمت نحو ما تبقى من جغرافيا غزة، وفي النهار تتوقف، وكأنها تترقب فرصة جديدة لابتلاع المزيد من الأرض. وبين حركة الليل وسكون النهار، كان الاحتلال يهدم البيوت، ويقتلع البساتين، ويحرق القلوب، ويمحو من الذاكرة تفاصيل البيوت والشوارع والحكايات.
تحولت أرضنا إلى بقع من الخراب، كأن الزيت المحروق قدرٌ كُتب على جغرافيا غزة، وكأن الفلسطيني مطالب بأن يدفع من بيته وذاكرته وأحلامه ثمن بقائه على أرضه.
وهنا يتجدد السؤال: هل تذوب المكعبات الثلجية الصفراء؟ وهل نستعيد حدود قطاع غزة كما كانت قبل السابع من أكتوبر 2023، لتكون تلك الخطوة مدخلاً لاستكمال التفاوض واستعادة ما تبقى من أرضنا الفلسطينية التي تستهدفها الأطماع الصهيونية؟
إن ذوبان هذه المكعبات لا يتحقق بالأمنيات وحدها، بل يحتاج إلى إرادة فلسطينية موحدة، وموقف عربي مساند، وضغط دولي جاد، يحوّل المواقف والبيانات إلى خطوات سياسية وقانونية فاعلة.
فلسطينياً، تبدأ معركة استعادة الأرض بإنهاء الانقسام، وإعادة بناء البيت الوطني على أسس الشراكة والديمقراطية وسيادة القانون، بما يحمي القرار الوطني المستقل ويوحد المؤسسات والمرجعيات. وهذا يتطلب وقفة مسؤولة من قيادات الفصائل، تضع مصلحة الشعب فوق الحسابات التنظيمية، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني الجامع.
لقد آن الأوان لمراجعة التجربة؛ فبعض القيادات انشغلت بحسابات الغنائم، وكأنها تكرر مشهد النزول عن جبل أُحد، حين اختلطت بوصلة المعركة بإغراء الغنيمة، فكانت الخسارة أكبر من حسابات اللحظة. والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، فيما يدفع الشعب أثمانها من دمه وأرضه ومستقبله.
وعربياً، تحتاج القضية الفلسطينية إلى موقف موحد يتجاوز التضامن اللفظي، ويترجم الروابط التاريخية والأخوية إلى مساندة سياسية واقتصادية وقانونية. أما دولياً، فإن عدالة القضية تستحق وقفة العالم ومؤسساته الحقوقية والإنسانية، دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعيش بحرية وكرامة. إنها معركة الإنسان أولاً، وامتحان حقيقي لاحترام القانون الدولي وحقوق الشعوب.
فهل تستيقظ القيادات الفصائلية من حساباتها الضيقة، وتلتقي على كلمة سواء لإنهاء الانقسام واستعادة القرار الوطني الموحد؟
شعبنا لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار؛ يقف على رصيف الموت، يترقب عودة المراكب إلى ميناء الأمل، فيما تتلاشى أمام عينيه مواعيد الوهم السياسي.
ستبقى البامية شاهدة على حدود الشجاعية، وستظل زهراتها تروي حكاية شعب أنهكته الحروب ولم يتخلَّ عن حقه، وسيبقى السؤال معلقاً فوق ركام البيوت: متى تذوب المكعبات الثلجية الصفراء، وتعود الأرض إلى أصحابها؟
فالأرض لا تستعيدها الأمنيات، والوطن لا يحميه الانقسام، والحرية لا ترسو على ميناء الانتظار.