سرطان السياسة الفلسطينية.. من يجرؤ على الجراحة؟
نشر بتاريخ: 2026/11/04 (آخر تحديث: 2026/11/04 الساعة: 18:00)

الاحتلال سرطان خبيث، ومرض بعض الفصائل قابل للعلاج بثلاثية الوحدة والانتخابات والمساءلة

ليس كلُّ ما ينهش جسد الإنسان يُرى بالعين؛ فهناك أمراض تتسلل إلى الأجساد، وأخرى تتغلغل في الأوطان، حتى تُنهك روحها وتُعطّل قدرتها على الحياة. وإذا كان السرطان مرضًا تتفاوت خطورته، فإن أخطر ما يصيب الشعوب أن تجد نفسها محاصرة بين عدوٍّ يستنزف حياتها، ومرضٍ سياسي داخلي يستنزف إرادتها ويعطّل قدرتها على النهوض.

في الحالة الفلسطينية، يمثّل الاحتلال الإسرائيلي السرطان الخبيث الذي ينهش الأرض والإنسان، ويستهدف الوجود والهوية والمستقبل. أما بعض الفصائل الفلسطينية، فقد أصابها مرض سياسي يشبه السرطان الحميد القابل للعلاج، ما دامت هناك إرادة صادقة للإصلاح، واستعداد للتغيير، وإيمان بأن الشعب أكبر من التنظيم، وأن الوطن لا يُختزل في فصيل أو قيادة. لكن هذا المرض، إن تُرك بلا علاج، قد يستفحل ويهدد ما تبقى من مناعة الجسد الوطني.

وعلاج هذا المرض ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية لا يجوز الالتفاف عليها: أولها، إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة الحقيقية، لا المحاصصة وتقاسم النفوذ. وثانيها، تجديد الشرعيات عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة، تحترم إرادة الشعب ونتائج صناديق الاقتراع، وتضمن التداول السلمي للمسؤولية. وثالثها، إخضاع العمل السياسي للمساءلة والمحاسبة، وتقديم المصلحة الوطنية وكرامة المواطن على المصالح التنظيمية والحسابات الضيقة.

وهنا لا بد من طبيب جرّاح يمتلك الشجاعة والحكمة، ويعرف موضع الداء وكيفية استئصاله؛ فليس كل من حمل مشرطًا أحسن الجراحة، وليس كل من رفع شعار الإصلاح قادرًا على إنقاذ المريض. إن الطبيب المطلوب هو الإرادة الشعبية الواعية، التي تفرض التغيير بالوسائل الديمقراطية، وتمنح الشعب حق اختيار قيادته ومحاسبتها. أما المشرط، فهو القانون وصندوق الاقتراع والإرادة الحرة، التي تستأصل أسباب الانقسام والفساد واحتكار القرار، من دون أن تهدم جسد الحركة الوطنية أو تلغي التعددية السياسية.

وبين سرطان الاحتلال الخبيث والخلل السياسي لدى بعض الفصائل، يعيش شعبنا الفلسطيني حالة مستمرة من الاستنزاف، تتآكل فيها فرص الاستقرار، وتتراجع آمال التعافي. يقف المواطن عاجزًا على رصيف الموت، يتلقى ضربات المطرقة الإسرائيلية، وحين يبحث عن ملاذ يحميه من قسوة الاحتلال، يجد نفسه مستلقيًا على سندان الانقسام والصراعات الفصائلية.

إلى متى سيظل شعبنا أسير هذه المعادلة القاسية؟ وإلى متى يبقى الخوف والصمت شريكين في إطالة عمر الأزمة، فيما تتساقط أوراق الحلم الفلسطيني ورقة تلو أخرى؟

لقد حوّل الخوف ربيعنا إلى خريف قاتل؛ خريف تتعرّى فيه الأغصان من دفئها، وتفقد فيه شجرة فلسطين ألوانها التي طالما جسّدت التنوع والوحدة والأمل. ومع ذلك، لا يزال في الجذور ما يستحق الحياة، وفي إرادة الشعب ما يكفي لاستعادة الربيع، إذا امتلك أبناؤه شجاعة التغيير، وقررت الفصائل التي تعمّق الانقسام أن تكون جزءًا من العلاج، لا سببًا في استمرار المرض.

إن فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من التشخيص، بل إلى قرار وطني شجاع، يبدأ بإنهاء الانقسام، ويمر بتجديد الشرعيات، ويكتمل باحترام إرادة الشعب وتقديم الإنسان على التنظيم، والوطن على الحسابات الضيقة. فالفصائل ليست قدرًا أبديًا، وقياداتها ليست فوق المساءلة، والانتخابات ليست ترفًا سياسيًا، بل هي الطريق الديمقراطي لتصحيح المسار وتجديد الحياة الوطنية.

فهل نمتلك شجاعة استدعاء الطبيب الجرّاح، واستخدام مشرط الديمقراطية لعلاج أمراض السياسة قبل أن تستفحل، أم نترك شعبنا يدفع ثمن خللٍ يمكن إصلاحه، فيما يواصل الاحتلال نهش جسد الوطن؟