لا شيء غير الحرب !
نشر بتاريخ: 2025/08/29 (آخر تحديث: 2025/08/29 الساعة: 21:03)

بعد يوم واحد فقط من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الإثنين الماضي، من أن الحرب على غزة ستنتهي بعد أسبوعين الى ثلاثة أسابيع، عاد يوم الثلاثاء، للقول بما هو متناقض تماماً، مع ما كان قد قاله قبل 24 ساعة فقط، حيث قال إنه لا يوجد حل شامل في الشرق الأوسط، وتابع بأن هذا هو الحال منذ آلاف السنين، وبالطبع ليس ترامب وحده مَن يبدو يظهر التضارب في الموقف السياسي، بل أفراد طاقمه، بالتحديد مبعوثه الى الشرق الأوسط الذي يتابع ملف التفاوض من أجل وقف هذه الحرب التي طالت أكثر مما ينبغي، وفق ما يعلنه معظم الإسرائيليين، ممن هم خارج إطار الحكم، وبل ممن ينتمون لمؤسسات الدولة من أجهزة أمن وجيش وغيره، فستيف ويتكوف أيضاً، يبدو في حال أسوأ من رئيسه، فرغم انه ظهر اكثر تعقلاً من رئيسه، حين قال بأنه يأمل في إنهاء الحرب قبل نهاية العام، عاد وقال بأن حماس هي من أخّرت إنهاء الحرب، هذا بعد ان اعلنت الحركة منذ اكثر من عشرة أيام عن قبولها بعرض ويتكوف نفسه، الذي كان قد عرضه قبل اشهر، وقبلته إسرائيل فوراً.

الغريب في أمر البيت الأبيض ممثلاً بشخص الرئيس ترامب، ومبعوثه ويتكوف، هو أنهما _خاصة ترامب_ يطلق العنان لحماسه مجرد ان تلوح في الأفق بارقة يلوّح له بها بنيامين نتنياهو، وكأنه لا يعرف نتنياهو حقاً، أو كأنه يعرفه الآن فقط، وفي حقيقة الأمر، قد يكون ترامب ساذجاً الى حدود «البله والغباء» أو يكون مخادعاً، على شاكلة نتنياهو، بل شديد الدهاء والمكر، ولو كان كذلك، فإنه عملياً يقوم بعملية خداع متواصلة للرأي العام العالمي والإسرائيلي والأميركي نفسه، بإطلاق بالونات الأمل المتتابعة، وهو لم يكفَّ عن هذا منذ ما قبل دخوله البيت الأبيض، وكان واضحاً بأن سعيه الى جائزة نوبل التي يشعر بالغيظ من منحها لعدوه اللدود الرئيس الديمقراطي السابق باراك اوباما، يدفعه للتشدق بكونه ساعياً من أجل السلام، وإنهاء سبع حروب في مناطق مختلفة من العالم.

ما يدعو الى الدهشة هو ان المقترح الذي وافقت عليه حماس تحت ضغط الوسطاء، المصريين والقطريين، هو أسوأ مقترح على الإطلاق، وقد جاء بعد عدم التزام نتنياهو بمتابعة صفقة كانون الثاني التي عقدت بوجود ويتكوف، عشية تنصيب ترامب، واستند الى مبادلة المساعدات الانسانية بالرهائن، وفي حيثياته ينص على اطلاق نصف المحتجزين الأحياء والأموات، مقابل 60 يوماً وقف إطلاق نار، محفوفة بخطر التنصل الإسرائيلي، ذلك ان إطلاق سراح المحتجزين خاصة الأحياء يكون في اليوم الأول، ولمواجهة إجحاف هذا المقترح الإسرائيلي بالأساس، حاولت مصر إدخال تعديل عليه، بتخفيض عدد من يُطلق سراحهم، ثم حاولت حماس ادخال تعديلات على حجم انتشار الجيش الإسرائيلي، خاصة من محوري فلادلفيا وموراج، كذلك عدد المطلق سراحهم من الأسرى الفلسطينيين، وفي آخر المطاف، وافقت حماس يوم 17 الجاري على مقترح ويتكوف بنسبة 98% من النص الأصلي، ورغم ذلك، ورغم ان إسرائيل وافقت عليها بمجرد عرضها، إلا ان نتنياهو لم يرد رسمياً، ولم يرسل الوفد التفاوضي لتوقيع الصفقة!

واضح أن إسرائيل الرسمية «مضطربة» رغم كل ما يقال عن أنها أهلكت غزة، ودمرت كل شيء، وأن حماس خضعت ووافقت على الصفقة تحت الضغط العسكري الهائل، ودلالات هذا الاضطراب تظهر في اكثر من اتجاه، منها وجود خلافات بين الجيش من جهة والحكومة من جهة، على أيهما أولاً التفاوض أم عملية عربات جدعون2 ، ثم على تفاصيل تلك العملية، هي تتم بسرعة أم ببطء، بعد التوافق على ان افضل خيار هو مواصلة التفاوض مع استمرار العمل العسكري، ثم ظهر خلاف داخل الجيش بين المستوى الأول الذي يمثله رئيس الاركان وألوية الجيش وبين المستوى الثاني، من عمداء وكبار ضباط، كذلك تظهر علامات التخبط في مواجهة اتخاذ القرار الحاسم، في اجتماعات الكابينت والحكومة المتتالية، التي تطول لساعات ثم تنتهي دون اتخاذ القرار، بحيث يؤجل اتخاذه لاجتماع آخر.

كل هذا يحدث في ظل تصاعد حركة الاحتجاج الداخلي، ذلك ان عدم الرد على موافقة حماس على الصفقة الجزئية، وهي قبل الأخيرة، والرد بالتحضير لعملية عسكرية تعني تدمير كل حجر في غزة، واحتلال كامل القطاع بنسبة 100%، يعني مقتل الرهائن، ومصرع مئات الجنود الإضافيين، كذلك مزيداً من الغضب العالمي، مع اقتراب الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، في ظل التوقع بأن تتحول المناسبة لإعلان دولي جماعي بفلسطين دولة مستقلة، والأهم والأخطر على إسرائيل، بدء الكثير من الدول، مثل بلجيكا وهولندا بفرض عقوبات على إسرائيل وعدم الاكتفاء بالاعتراف بدولة فلسطين، بل ان رئيس ايرلندا طالب بإصدار قرار أممي تحت البند السابع يفرض وقف الحرب على إسرائيل، ورأى بأن ذلك ممكن من خلال قرار جمعية عمومية بأغلبية الثلثين، لمواجهة الفيتو الأميركي.

ولا يخفى ايضا بأن تزايد حالة المجاعة، وتهجير نصف سكان القطاع، اي حوالي مليون مواطن من غزة والوسطى مجدداً، قد يعني دفع العالم للخروج بما هو أبعد من الادانة ومن الرد بالاعتراف بدولة فلسطين، ثم هناك الأوضاع الهشة في لبنان وسورية وحتى مع ايران، حيث يمكن في اي لحظة أن تعود المواجهات على الجبهات كلها للاشتعال مجدداً، بما في ذلك الضفة الفلسطينية، حيث أججت اجراءات وزير المالية الفاشي بتسلئيل سموتريتش بعدم تحويل أموال المقاصة منذ أيار الماضي الحالة المجتمعية، بما جعل من الضفة برميل بارود، يزيده عنف المستوطنين اليومي، وهو ايضا أمام أنظار العالم، ومحط غضب أوروبي وعالمي، سخونةً، وهو في حالة انفجاره، لن يتوقف إلا بحرق الأخضر واليابس، فيما الجيش الإسرائيلي منهك من الحرب في غزة، ويجبره نتنياهو على تنفيذ عملية تلو اخرى، ولا يعلن عن تحقيق الاهداف العسكرية والسياسية، ولا اعلان النصر حتى اللحظة!

يبدو بأن نتنياهو وائتلافه الحاكم قد ادمنا الحرب، أو انهما باتا يدركان جيداً، بأن اليوم الذي تتوقف فيه، أيا تكن نتيجتها النهائية، حتى ولو اعلن نتنياهو النصر المؤزر يومها، وأنه حقق كل ما أراده من أهداف سياسية وعسكرية، وهذا امر ما زال غير مؤكد، على الأقل فيما يخص هدفين هما : تحرير المحتجزين أحياء، وتهجير سكان غزة، والهدف الأول سيكون ضحية سحق حماس عسكرياً، لأنه دون التفاوض سيكون خيار شمشون، أو خيار قتل الرهائن مع محتجزيهم، والثاني، باتت مصر بالذات تقف في وجهه _أي التهجير، سداً منيعاً، ولم تعد تقول فقط بانها لن تشارك فيه، ولها الحق في ذلك، فهي بعد ان أطلقت خطة في مواجهة خطة التهجير الترامبية، وقدمت مقترحاً لليوم التالي للحرب، يسقط كل المبررات غير الحقيقية لفاشيي الحكومة الإسرائيلية، من مغادرة حماس للحكم، وحتى الحل الوسط بين رفض إسرائيل عودة السلطة كبديل للحكم، وضمان أن لا تشكل غزة اي تهديد امني لاحقاً، وبعد ان اجبرت حماس على قبول مقترح ويتكوف، لم يعد أمامها الا مواجهة إسرائيل بشكل مباشر!

هكذا مجرد ان وافقت حماس على المقترح الأميركي، اسقط في يد نتنياهو، الذي رد بعرض الصفقة الشاملة، وهو من كان يرفض هذا الشكل او هذا الإطار التفاوضي، الذي عرضته حماس بعد تنصله من اتفاق صفقة يناير، ويقول هذا في الاعلام، اما رسمياً فما زال يراوغ، لكن فيما يبدو بأنه لم يعد من مناص امام إسرائيل الدولة إلا ان تواجه متطرفيها بنفسها، لأنهم باتوا خطراً وجودياً على إسرائيل العضو في المجتمع الدولي، وبعد ان ظهر خلال الاسابيع الأخيرة ثبات المعارضة في استطلاعات الرأي بما فيها حزب الديمقراطيين اليساري، فإن المعارضة سارعت الى ترتيب أوراقها، وهي ترى بان ايلول القادم، سيكون محطة فاصلة، بحيث يبدأ جمع «حصاد» معركة كسر العظم التي استمرت عامين، وخسر خلالها طرفاها، حماس بتحطيم قوتها العسكرية وفقدانها لحكمها في غزة، واليمين الإسرائيلي، الذي لم يعد يخشى اليوم التالي لوقف الحرب وحسب، بل بات يخشى الانتخابات القادمة، سواء جاءت مبكرة، أي قبل موعدها، او جاءت في موعدها، وهو العام القادم 2026.

لذلك فإن الأسابيع الثلاثة القادمة، هي وقت ميت، يبدو بأن النتائج التي سيخرج بها إعلان نيويورك في اجتماع الجمعية العمومية، ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الشرق الأوسط، وحيث ان الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي ما زال هو مفتاحه السحري، فإن صراع الإرادات بين من يسعى لإسرائيل الكبرى، ومن يسعى لحل الدولتين، سينتهي لصالح احدهما، فيكون اليوم التالي دون حكم حماس بغزة، ودون حكومة نتنياهو_ بن غفير_ سموتريتش في إسرائيل.