قراءة في الانتخابات الإسرائيلية
نشر بتاريخ: 2026/11/04 (آخر تحديث: 2026/11/04 الساعة: 15:41)

تأتي أهمية هذه الانتخابات في كونها الأولى بعد حرب الإبادة، وسط أحداث سياسية صاخبة وتحولات دراماتيكية في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، مع نذر حرب إقليمية جديدة ضد إيران.. وكان معولاً عليها أن تأتي بتغييرات عميقة داخل إسرائيل، خاصة أن الحرب أجّلت أو جمّدت كل التناقضات الداخلية التي كادت تعصف بالمجتمع الإسرائيلي وتحدث فيه تغيراً عميقاً، حيث شهدت الفترة التي سبقت الحرب نمواً متصاعداً لليمين الصهيوني المتشدد، لدرجة بات يهدّد بتغيير بنية الدولة وهويتها وشكلها، ما دفع بنتنياهو حينها لطرح مشروعه المسمى الإصلاح القضائي، والذي كان الهدف منه إحكام قبضة اليمين الديني على كافة مؤسسات الدولة وأهمها الجيش والقضاء، وتصفية آخر جيوب اليسار والليبرالية والقضاء على كل صوت معتدل أو براغماتي، وفي مواجهة ذلك شهدت إسرائيل حينها تظاهرات حاشدة للمعارضة، امتدت عشرة أشهر وبشكل متصاعد أوصلت البلاد إلى شفير حرب أهلية، وكان محتماً حينها سقوط نتنياهو وبرنامجه، وبدء تراجع اليمين، لكن هجمات السابع من أكتوبر أتت وغيّرت المشهد كلياً، وجعلت المجتمع الإسرائيلي يتكتل من جديد ويجمد تناقضاته متأثراً بخطاب التهديد الوجودي والتخويف والتحريض ضد العدو الخارجي (الفلسطينيون، «حزب الله»، إيران..).

خلافاً للتوقعات، لم تُنتج الانتخابات فائزاً قادراً على تشكيل حكومة بمفرده، بل أفرزت حالة من التوازن المعقد؛ رغم أن الليكود ما زال الحزب الأكبر، إلا أن في ذلك دلالة على تراجعه (من 32 في انتخابات 2022، إلى27 مقعداً، وتراجع مجموع معسكر نتنياهو من 68 إلى 53 مقعداً). وهذا يشير إلى انحسار التأييد للائتلاف الحاكم، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية نفوذ نتنياهو؛ فقد احتفظ بكتلة برلمانية كبيرة، وبقدرة على التأثير في مفاوضات تشكيل الحكومة.

في المقابل، شهدت الانتخابات صعود آيزنكوت بوصفه مركزاً جديداً للمعارضة ما يجعله قوة مركزية في المعادلة السياسية الجديدة. لكنه لن يحقق التغيير المنشود (إسرائيلياً وفلسطينياً)، حيث أن الجمهور الذي صوّت له إنما يبحث عن بديل لنتنياهو، لكنه لا يتجه بالضرورة نحو اليسار أو العلمانية، أو نحو تغيير جوهري في النظرة إلى الصراع الفلسطيني، بل نحو قيادة أمنية وسياسية بديلة، تنتمي إلى المؤسسة الصهيونية نفسها. بمعنى أنه لا ينبغي الخلط بين التصويت ضد نتنياهو والتصويت من أجل السلام؛ فرغم تراجع معسكر نتنياهو، لم تختفِ الأحزاب اليمينية المتشددة من المشهد، وهذا يعني أن الانتخابات لم تُنتج تحولاً أيديولوجياً واضحاً في المجتمع الإسرائيلي، بل أعادت توزيع القوى داخل معسكرات اليمين المتنافسة. والأهم من ذلك أن أجواء الانتخابات ونتائجها أكدت نزوع المجتمع الإسرائيلي أكثر فأكثر نحو اليمين ونحو التطرف، فقد أظهرت الدعايات الانتخابية تنافساً على التشدد، وعلى من يقتل أكثر من الفلسطينيين، ومن سيدمر أكثر في غزة، ومن سيوسع استيطانه في الضفة.. ودللت على تعمق أجواء الكراهية والعنصرية ضد الفلسطينيين، لدرجة لا تخجل من إظهارها.

أما تراجع اليسار والليبرالية في إسرائيل فيمثل أحد أهم التحولات التي تستحق التوقف عندها في قراءة الانتخابات الأخيرة؛ لأنه يتجاوز مسألة خسارة أحزاب لمقاعد برلمانية، فاليسار الصهيوني الذي أسس الدولة وقاد حكوماتها لعقود، أصبح اليوم قوة هامشية (حصل الديمقراطيون على 8 مقاعد فقط). هذا المسار ليس تراجعاً انتخابياً عابراً.

ونتيجة هذا التحول انتقل مركز الثقل من السياسة إلى الأمن، وباتت السياسة الإسرائيلية تُقرأ بصورة حصرية من منظور أمني. ولم تعد النخب الحاكمة كما كانت سابقاً تناقش وتطرح مبادرات سياسية حول التسوية، اليوم، فقط تناقش قضايا الأمن والردع وإدارة الصراع والقيادة العسكرية. حتى في جبهة المعارضة نجد مثلاً آيزنكوت يستمد جاذبيته السياسية من خلفيته العسكرية والأمنية، وليس من طرحه لمشروع سياسي يساري بديل.

هذه التحولات بدأت منذ زمن بعيد، لكنها تعمقت أكثر بعد هجمات 7 أكتوبر والحرب التي أعقبتها. فقد عززت الحرب حضور مفاهيم الأمن والهوية القومية في الخطاب العام، وأضعفت المساحة المتاحة للأصوات الداعية إلى التسوية السياسية، وعمقت خطاب الكراهية ضد الفلسطينيين.

ما أظهرته الانتخابات أن جزءاً من جمهور اليسار الإسرائيلي لم ينتقل بالضرورة إلى اليمين، وإنما انتقل إلى أحزاب الوسط، التي تقدم نفسها باعتبارها بديلاً عن نتنياهو، مع احتفاظها بمواقف أمنية وقومية لا تختلف كثيراً عن مواقف اليمين في قضايا أساسية، وتبتعد عن أطروحات اليسار التاريخية.

وبالتالي فإن الرهان على عودة اليسار الإسرائيلي إلى الحكم باعتباره مدخلاً تلقائياً للتسوية لم يعد خياراً واقعياً، فالمشكلة لم تعد محصورة في قيادة سياسية يمينية، بل أصبحت مرتبطة بتحولات اجتماعية وثقافية وأيديولوجية أوسع، الأمر الذي يجعل تغيير السياسات أكثر تعقيداً من مجرد تغيير الحكومة.

ما يعني ضرورة التمييز بين المعارضة الإسرائيلية التي تريد تغيير إدارة الدولة، والمعارضة التي تريد تغيير السياسات القائمة تجاه الشعب الفلسطيني، فهما ليسا تياراً واحداً. فقد يتغير رئيس الحكومة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المنظومة الفكرية التي تحكم النظرة الإسرائيلية إلى الفلسطينيين قد تغيرت.

كان المجتمع الإسرائيلي قبيل الحرب يعاني من تفاقم أزماته الكبرى: هوية المجتمع والعلاقة بين الدين والدولة، والديمقراطية، واستقلال القضاء، وصلاحيات المحكمة العليا، والضوابط التي تحد من سلطة الحكومة، وتنامي النزعات القومية والدينية التي تضع الهوية اليهودية للدولة في مواجهة مفهوم المواطنة المتساوية. وتجاهل حقوق الفلسطينيين، وشكل العلاقة معهم ومستقبل الصراع.. هذه القضايا تعمقت أكثر وبرزت إلى السطح من جديد في الانتخابات، وأضيفت إليها قضايا خلافية أخرى مثل إعفاءات الحريديم من الخدمة العسكرية، والمسؤولية عن إخفاقات7 أكتوبر، وطريقة إدارة الحروب والأمن، ومشاركة النواب العرب في الحكومة.. وبالتالي، فإن الصراع على تشكيل الحكومة ليس مجرد منافسة بين شخصيات سياسية، بل يعكس خلافات اجتماعية وأيديولوجية متراكمة.

في المحصلة، لم يحقق أحد ما يمكن وصفه انتصاراً في هذه الجولة الانتخابية، لكن الوزن البرلماني الكبير للأحزاب العربية يعد تطوراً مهماً، لكنه ليس تحولاً في بنية النظام السياسي. فامتلاك 19 مقعداً يتيح للأحزاب العربية مساحة أوسع للتأثير في مجالات تحسين أوضاع العرب، وتحصين حقوقهم، وفي لجم القوانين العنصرية. وأهم دلالات هذا الفوز أنه عمّق أزمة إسرائيل أكثر، بدليل أن أي من الفريقَين سيعجز عن تشكيل حكومة من دون المقاعد العربية، وأنه أظهر بجلاء مدى عنصرية إسرائيل، وفضح زيف ما تسمى الديمقراطية الإسرائيلية؛ بدليل الخطاب العنصري الاستعلائي لكلا الفريقَين اللذين يرفضان الاتكاء على المقاعد العربية، أو إشراك العرب في أي تشكيلة حكومية، ما يعني أن «الديمقراطية الإسرائيلية» تتعامل مع كتلة كبيرة من سكان الدولة (21% من مجمل السكان) بوصفهم أعداء، لا بوصفهم مواطنين.