مـسـتـحـيـلات غـزة الـثـلاثـة .. !
أكرم عطا الله
مـسـتـحـيـلات غـزة الـثـلاثـة .. !
غربان الأسئلة القلقة تعود بكل ثقلها إلى سماء غزة متزامنة مع أسراب البوم الإسرائيلي الذي تجمع بكميات هائلة في الأعوام الأخيرة.
فغزة وقعت فريسة كما كان متوقعاً لأن حجم المشروع الإسرائيلي يتجاوز الإبادة نفسها نحو سحق المكان. فالذاكرة تستعيد تصريحات الوزير الإسرائيلي يوآف غالانت حين تحدث في بداية الحرب عن حل لخمسة عقود، بالتأكيد كان يستل من الأدراج واحداً من أكبر المشاريع الإستراتيجية التي كشف عنها وريثه يسرائيل كاتس قبل أسبوع حين أشار للتهجير.
منذ بداية الحرب كانت آلة إسرائيل المتوحشة تعرف ما الذي تفعله، عندما كانت تبيد المباني وتجرف الطرق وتقصف مخازن الطعام والأفران وخزانات المياه.
وكان واضحاً للمراقبين أنها تقوم بإعدام الحياة بشكل منظم وليصبح المكان طارداً للبشر وها هي الآن تقضم من القطاع وتضيق المكان على السكان لتحشرهم في مساحة صغيرة مع توقف المطبخ العالمي ومشروع اليونيسيف لتزويد المياه وتخفيض شاحنات المساعدات ما يعيد شبح المجاعة من جديد. فإسرائيل لن تترك غزة.
من كان يعتقد أن دولة الاحتلال ستقبل بعد هذه الإبادة بعودة الحياة لغزة لا يعرف الإسرائيلي ولا يعرف قدراته باقتناص الفرص وقد توفرت له فرصة تاريخية لتبديد كتلة اللاجئين الأكبر والتي لم تمتهن سوى الكفاح وإنتاج الفصائل.
جاء السابع من أكتوبر ليوفر له تلك الفرصة، فمن كان يدمر ويهّجر بهذا الشكل ويعدم ممكنات الحياة كان يعرف تماماً ماذا يريد وإلى أين سيصل.
كان ذلك يحدث وسط سياسة فلسطينية شديدة البساطة لا تدرك ما الذي يحدث.
الآن تقف غزة عند لحظة الحقيقة ولا تقدّم حلاً لأن إسرائيل هي من تتحكم بالحل ولديها مشروعها.
فلماذا تعتقد حركة حماس أن على إسرائيل التخلي عن مشروعها لصالح رؤية فلسطينية دون أن تمتلك هذه الرؤية أدنى مقومات الإقلاع حين دخلت حربها الخاسرة وجردت نفسها من كل ممكنات القوة؟.
هذا لا يستوي وعلم السياسة بل ينذر عدم إدراك ذلك باستمرار نجاح مشروع إسرائيل متكئاً على هذا القصور المعرفي الذي يشكل الحد الأدنى لفهم مفاتيح الصراعات.
باتت أزمة غزة عالقة وتتفاقم يومياً نحو هندسة إسرائيلية محكمة تقابلها أميّة سياسية فلسطينية محزنة، فقد وقعت غزة ما بين الدهاء الإسرائيلي الذي يمتلك كل أوراق القوة من سلاح أو سيطرة على المكان أو حصار والتحكم بكل شيء وبين بساطة حركة حماس التي تعرضت لهزيمة عسكرية ولم تدرك تداعياتها بعد، بل إنها تضع شروطاً تؤدي إلى عودة الحياة في المكان بما يتعارض مع مصلحة من يملك أوراق القوة ...!
بين ثلاثية معقدة وقعت غزة بين إسرائيل وحماس واللجنة المكلفة إدارة القطاع ولا حل لها.
فإسرائيل التي وضعت خطة ترامب لم تضعها إلا لتنفيذ المرحلة الأولى «استعادة أسراها» والتنصل من المرحلة الثانية التي تعني عودة غزة للحياة والإعمار والحركة وإعادة بناء المجتمع بعد أن قامت بتفكيكه، فهي لم تهدم المباني والبنية التحتية بل هدمت المجتمع والإنسان ومن الصعب تصور أن تمد إسرائيل يد العون لعملية العودة تلك.
أما حماس فلا تريد أن تتجرد من سلاحها ولن تفعل فهي ليست كباقي القوى لأن السلاح هو هوية وخطاب منذ أن جاء باعتباره المحرر الأوحد، فماذا ستقول لجمهورها وعناصرها لو سلمته ؟
ماذا ستقول للفلسطينيين حينها وماذا سيبقى من خطابها ؟
ماذا ستقول لحركة الإخوان المسلمين التي تعاظمت في عقودها الأخيرة بفضل كفاح حركة حماس التي يعود لها الفضل بنجاحات الحركة الإسلامية في الدول العربية ؟ فتسليم السلاح يعني التسليم بنهاية المشروع وإسدال الستار على الحركة حين تغلق بنفسها مشروعها بعد تجربة استمرت لأربعة عقود تنتهي بتسليم السلاح وهذا غير وارد، ومفهوم للمراقبين لكن سكان غزة كانوا ينتظرون تصريح الدكتور باسم نعيم لمعرفة ذلك وما يحدث من مفاوضات حوله ليس سوى محاولة لتبرئة الذمة أمام الغزيين مما هو قادم، فالحركة تفضل أن تموت شهيدة على أن تعلن فشلها بنفسها.
أما اللجنة التي أعرف معظم أعضائها وأعرف مستوى نقائهم الوطني فلست بحاجة لأن أسمع منهم أنهم لن يقبلوا بالعمل في منطقة تعمل فيها مجموعات من العملاء وعلى اللجنة التعاون معهم، هذا تحت عنوان أن حماس لن تسلم سلاحها وبالتالي ينقسم القطاع بين منطقتين واحدة تحت سيطرة إسرائيل والعملاء والثانية تحت سيطرة حماس وتتعرض للقضم هذا بعد أن ترفض حماس تسليم سلاحها فلا أحد يقبل بالعمل تحت أو مع إسرائيل.
هنا أزمة غزة فالإسرائيلي لن يدعها تحيا وهو يريد تجريدها من السلاح.
كان بإمكانه نقل سكان المنطقة الغربية للشرق لكنه يصطدم بتحذير وزارة الجيش الإسرائيلي الذي وضع أمام الحكومة إشارة حمراء في آذار 2024 يحذر إسرائيل من العودة لإدارة سكان القطاع، ومن هنا ابتدع فكرة اللجنة لأنه لا يريد أن يحكم ولا يريد لحماس أن تحكم ولا يريد للسلطة صاحبة الولاية القانونية أن تحكم «لا حماسستان ولا فتحستان» وهنا يتعرقل مشروع النزوح للشرق وحماس تتهم اللجنة مطالبة إياها «بالانحياز للشعب الفلسطيني». هذا غمز مخجل تجاه اللجنة على نمط الاتهامات الدائمة من حماس لخصومها لتضطر اللجنة لإصدار بيان لتبرئة نفسها.
هكذا عادت غزة تراوح بين ثلاثيتها التي تتوزع بين خبث ودهاء إسرائيلي فاقع وجهل فلسطيني سياسي فاقع ولجنة لا حول لها ولا قوة، يجري تحطيمها بهدوء من قبل كل الأطراف لتذهب غزة إلى حيث تشاء إسرائيل معتمدة على قصة السلاح الذي أصبح غاية بعد أن كان وسيلة في كل ثورات العالم، لكنه هنا لا يتعلق بمستقبل الفلسطينيين بل بمستقبل حركة حماس وهنا المعضلة.