نشر بتاريخ: 2025/08/30 ( آخر تحديث: 2025/08/30 الساعة: 11:46 )
جون مصلح

اليوم التالي للحرب في غزة أسئلة مفتوحة وتصورات نحو الاستقرار..

نشر بتاريخ: 2025/08/30 (آخر تحديث: 2025/08/30 الساعة: 11:46)

الكوفية أولا: اليوم التالي.. معضلات الفوضى والانفلات..

قد يظن البعض أن اللحظة الأصعب في غزة هي زمن القصف والدمار.. لكن الحقيقة أن ما يُسمّى بـاليوم التالي للحرب قد يكون أكثر خطورة وتعقيدًا وربما أشد فوضى من زمن الحرب نفسه. فالمعضلات التي ستواجه القطاع لا تتعلق فقط بإعادة الإعمار أو البحث عن مأوى لمئات آلاف المشردين، بل أساسا بمسألة الأمن والسيطرة والنظام العام وهي العقدة الكبرى التي لم يجد لها أحد حتى الآن حلاً واضحًا أو مقبولًا.

خلال الأشهر الماضية ومع انهيار المنظومة الأمنية وتدمير البنية الشرطية في غزة . تفجرت ظواهر خطيرة:

العائلات الكبرى فرضت سطوتها في مناطق مختلفة.

السلاح تدفق إلى أيدي المدنيين والخارجين عن القانون.

عشرات حالات القتل والثأر سُجلت في ظل غياب سلطة ضابطة.

السجناء الذين خرجوا إلى الشوارع شكلوا قوة موازية للفوضى.

هكذا صار القطاع مهيأً لانفلات أمني قد يتفاقم بمجرد توقف صوت المدافع وربما يجر إلى مواجهة داخلية دامية إذا لم تُعالج الأمور بحكمة وسرعة.

المشكلة الأعمق أن المجتمع نفسه يواجه حالة غضب واحتقان داخلي ونزعة انتقامية لا يمكن ضبطها بالشعارات أو بخطط على الورق، بل تحتاج إلى قوة أمنية محلية قادرة وشرعية في آن واحد.

تناقضات الحلول المطروحة من الخارج

من خلال المتابعات الإخبارية .نقلت صحيفة معاريف الإسرائيلية عن وول ستريت جورنال أن مصر بدأت تدريب مئات الفلسطينيين بهدف تشكيل قوة أمنية قوامها قد يصل إلى عشرة آلاف عنصر من كوادر أجهزة السلطة الفلسطينية لتسلم الأمن بعد الحرب.

لكن هذه الفكرة. رغم مظهرها تصطدم بجملة من التناقضات:

إسرائيل ترفض عودة السلطة الفلسطينية وتطرح إدارة بديلة خالية من أي صبغة وطنية.

الدول العربية (مصر. الأردن. الخليج) تصر على دور للسلطة وتعتبره شرطًا لأي دعم سياسي أو مالي.

حماس والفصائل ترى في أي قوة مدعومة عربيًا مجرد أداة لإنهاء وجودها .وتتوعد بمقاومتها.

الجماهير الشعبية التابعة للتنظيمات لن تقف مكتوفة الأيدي بل قد تواجه أي قوة بديلة.

آلاف الموظفين التابعين لحكومة غزة السابقة إذا أقصوا فجأة عن العمل سيتحولون إلى عنصر ضغط وفوضى جديدة.

حتى لو اتفق الجميع على إدخال قوة أمنية .فإن دخولها وسط دمار شامل ورفض فصائلي سيحولها إلى طرف في صراع داخلي جديد. وهنا تتفجر أسئلة خطيرة:

كيف ستتعامل مع سلاح العائلات والفصائل؟

هل ستتمكن من منع موجة الانتقام والثأر بعد آلاف الضحايا؟

ماذا عن الخارجين عن القانون الذين صاروا قوة واقعية على الأرض؟

وكيف سيتم ضبط عشرات آلاف الموظفين المهمشين؟

تضاف إلى ذلك معضلات عملية:

غياب قاعدة بيانات أمنية حديثة. إذ لم تُحدّث السجلات منذ نحو عشرين عامًا.

تغير الجغرافيا والديموغرافيا بعد الدمار والنزوح مما يجعل الخرائط الأمنية القديمة عديمة الفائدة.

فكلمة "اليوم التالي" ليس مشهدًا ورديًا لإعادة إعمار وبناء مدارس، بل امتحان دموي قد يحدد شكل غزة لعقود قادمة. أي خطأ في معادلة الأمن قد يعيد القطاع إلى نقطة الصفر وربما إلى حرب أهلية صامتة تنخر المجتمع من الداخل.

ثانياً: التصور المقترح – من الفوضى إلى الاستقرار

رغم ضبابية المشهد يمكن صياغة تصور عملي يحوّل الكارثة إلى فرصة ويمنع الانهيار الداخلي ويعيد بناء النظام على أسس وطنية حقيقية.

1. المصالحة الداخلية في حركة فتح

لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل الانقسام الفتحاوي.

المطلوب مصالحة عاجلة تعيد جميع الأطر إلى تنظيم واحد متماسك وإرجاع المفصولين من الحركة ومن موظفي السلطة بسبب الخلافات السياسية.

إجراء انتخابات داخلية تضخ دماء جديدة وتفرز قيادة شبابية قادرة على إدارة التحديات في الضفة وغزة معًا.

2. مصالحة وطنية شاملة

المصالحة بين فتح وحماس وباقي الفصائل ضرورة وجودية.

يتم دمج الفصائل ضمن إطار منظمة التحرير بعد إصلاحات جوهرية تجعلها مرجعية وطنية جامعة.

أي استقرار في غزة مرهون بوجود مرجعية موحّدة لا سلطة مقطوعة الجذور ولا فصيل منفرد.

3. قوة أمنية انتقالية محلية

الحل الأمني لا يمكن أن يأتي من الخارج فقط. بل من الداخل أساسًا.

تشكيل قوة كبيرة وسريعة الانتشار من:

1. ضباط وأفراد السلطة الموجودين داخل غزة

2. ضباط شرطة من حماس يمتلكون خبرة ميدانية.

3. شباب من مختلف العائلات والتيارات بعد إخضاعهم لدورات تدريبية سريعة.

قيادة هذه القوة عبر لجنة أمنية مشتركة مؤقتة من داخل غزة. بدعم وتمويل عربي ودولي.

4. حكومة انتقالية مستقلة

حكومة غير حزبية لكنها مدعومة من جميع القوى الوطنية.

مدتها من 4 إلى 6 أشهر، تدير الحياة اليومية وتجهز لانتخابات عامة.

5. دور العائلات والوجهاء

إشراك مخاتير ووجهاء العائلات في لجنة وطنية لمواجهة الانفلات.

إلزام العائلات بتسليم المطلوبين ومنع الثأر.

التعامل بحزم مع أي جهة ترفض التعاون حفاظًا على السلم الأهلي.

6. مواجهة الخارجين عن القانون

خطة عاجلة لحصر المطلوبين والتعامل معهم بشكل صارم.

إنشاء آلية لتوثيق الجرائم المرتكبة أثناء الحرب لضمان محاسبة عادلة.

7. إعادة الإعمار والتنمية

البدء الفوري بالإعمار كرسالة أمل للناس وتخفيفًا للاحتقان.

إطلاق مشاريع تشغيل واسعة بدعم عربي ودولي،

بإشراف يضمن الشفافية.

إشراك الشباب في الأمن والإعمار لتقليل البطالة والاضطراب الاجتماعي.

والحد من الهجرة.

8. ضمانات وضغط دولي

ضغط عربي ودولي على إسرائيل للقبول بالترتيبات الانتقالية.

فتح المعابر تحت إشراف فلسطيني–دولي مشترك.

إلزام إسرائيل بوقف الهيمنة وعرقلة الحلول.

9. قاعدة بيانات أمنية جديدة

إنشاء بنك معلومات أمني حديث من الصفر.

الاستعانة بالتكنولوجيا والخبرات الدولية.

إنشاء مراكز طوارئ أمنية في مناطق النزوح والخيام ومراكز عمليات متنقلة لتغطية جميع المناطق.

10. آلية مراقبة وتقييم الأداء

لجنة رقابية مستقلة لمتابعة عمل الحكومة الانتقالية والقوة الأمنية.

تقديم تقارير دورية للشعب والجهات الداعمة لضمان الشفافية.

11. اتفاقيات تمويل وخدمات أساسية

عقد اتفاقيات مع الأطراف العربية والدولية لدعم التمويل والخدمات.

آلية ضغط على إسرائيل لضمان احترام الترتيبات.

للحفاظ على أمن المنطقة برمتها..

12. خطة طوارئ إنسانية

تجهيز مخازن إغاثة ومواد طبية في مواقع استراتيجية.

برامج سريعة لإعادة الكهرباء والمياه والتعليم والصحة بالحد الأدنى الممكن.

الخلاصة

غزة تقف على حافة مرحلة تاريخية فاصلة. ما بعد الحرب قد يكون كارثة أكبر من الحرب نفسها إن تُرك بلا تصور وطني جامع.

مفاتيح الحل هو:

1. مصالحة داخلية وفصائلية شاملة.

2. قوة أمنية انتقالية محلية جامعة.

3. حكومة مستقلة مؤقتة تجهز لانتخابات عامة.

4. إشراك العائلات في حماية السلم الأهلي.

5. إعمار عاجل يعطي الناس الأمل.

6. ضغط وضمانات دولية لفتح المعابر.

7. مواجهة الخارجين عن القانون بصرامة وعدالة.

8. قاعدة بيانات أمنية حديثة.

9. آليات رقابة ومحاسبة شفافة.

10. خطة طوارئ إنسانية عاجلة.

بهذا التصور يمكن تحويل اليوم التالي من فوضى مفتوحة إلى فرصة وطنية لبناء مرحلة جديدة. تقودها قيادة شابة موحدة وتستند إلى توافق داخلي حقيقي ودعم عربي ودولي.

والله غالب