نشر بتاريخ: 2025/08/31 ( آخر تحديث: 2025/08/31 الساعة: 19:59 )
عيسى قراقع

جثث تمشي على قدميها في شوارع تل أبيب

نشر بتاريخ: 2025/08/31 (آخر تحديث: 2025/08/31 الساعة: 19:59)

الكوفية شهدت السنوات الأخيرة ازديادًا ملحوظًا في حالات الانتحار بين الجنود الإسرائيليين بعد مشاركتهم في الحروب، لا سيما في غزة، بينما تحاول الدولة العبرية التعتيم على هذه الظاهرة، فإن ما يتسرّب من أرقام وتقارير يشير إلى أزمة نفسية عميقة داخل المؤسسة العسكرية، وأزمة أخلاقية أبعد من مجرد "أعراض ما بعد الصدمة"، حيث منظومة الاحتلال الإسرائيلي، بما تمارسه من قمع يومي للفلسطينيين، لا تنجو من عواقبها النفسية والوجودية، ليس فقط على الضحايا، بل على الجناة أنفسهم. الجنود العائدون من غزة، مثقلون بذكريات مذبحة، صراخ أطفال، وركام منازل، يجدون أنفسهم عاجزين عن تبرير ما اقترفوه، رغم كل خطاب "الشرعية" الذي تغذّيهم به الدولة. هنا، يظهر القمع ليس فقط كأداة للهيمنة، بل كآلية تدمر من يمارسها.

منذ بدء حرب الابادة في 7 أكتوبر 2023، ارتفع عدد حالات الانتحار بين أفراد الجيش الإسرائيلي إلى 48 جندياً قد ماتوا بانتحار خلال الحرب حسب صحيفة هآرتس العبرية، التقارير ترى أن الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر، وأن الجيش يعاني من نقص في الكوادر النفسية المؤهلة لدعم الجنود.

دراسة من جامعة تل أبيب وجدت أن نحو 12٪ من الجنود المفرغين يعانون أعراضاً واضحة لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، ما يُشكّل حالة طوارئ وطنية فعلًا من الناحية النفسية، ما يزيد الطين بلة، أن أكثر من 3700 جندي شخصوا بـ PTSD (الانفصام الذهني)، حتى صيف 2025، فيما يلقى نحو 10000 مداواة نفسية ضمن وحدة إعادة التأهيل بوزارة الدفاع.

وجد العديد من الجنود أنهم ضباط مدربون للقتل، لكنهم يجدون أنفسهم مصدومين من فعالية عقولهم ضد ضحايا، فـ"لا أحد ينجو من الحرب". كما أن بعضهم أعلن رفضه العودة للقتال بعد تجربة مباشرة للمذابح والجرائم.

وفي ظل استمرار حرب الابادة، وتنامي أعداد الجنود العائدين وهم يحملون أعباء نفسية ثقيلة، تبدو المؤسسة العسكرية أمام معركة جديدة غير معلنة: إنقاذ من تبقى من الجنود قبل أن ينهاروا على الجبهة الأخرى: الجبهة الداخلية.

بحسب الفيلسوف ميشيل فوكو، فإن السلطة لا تكتفي بالتحكم بالجسد، بل تتسلل إلى اللغة، الرغبة، والوعي الذاتي. القمع، في منظومة كهذه، لا يفرض الصمت على الضحية فقط، بل يفرض الأكاذيب على الجاني، الجندي الذي يشارك في عملية قتل وقمع، ثم يُطلب منه أن يروّج لرواية "الأمن" و"الدفاع عن النفس"، يجد نفسه ممزقًا بين الواقع الذي رآه واللغة التي يُجبر على استخدامها، هذه الفجوة بين الحقيقة والرواية تخلق عذابًا داخليًا قد يصل إلى الانهيار النفسي، بل والانتحار.

يحمل الجندي في لاوعيه صورة الضحية، التي تلاحقه في أحلامه وكوابيسه، الجندي الذي أطلق النار على فتى فلسطيني أو على منزل مدني، لا ينجو من صورة الدم، بل تُطارده، تتقمّصه، تكشف له هشاشة تبريراته، فوكو يربط السلطة الحديثة بقدرتها على إنتاج "الحقيقة"، لكن هذه الحقيقة تتشظى عندما تواجه الجندي بواقع مختلف عن ما لقّنته إياه المؤسسة العسكرية، حيث تصبح الحرب قاضياً يحكم بعد انتهائها.

الدولة الإسرائيلية، مثل أي منظومة استعمارية، تعتمد على سردية دائمة لتبرير عنفها. لكن الجندي العائد من غزة لا يرى بطولات، بل يرى جثثًا ودمارًا ووجوهًا مذعورة، حين يُطلب منه أن يروي ما حصل بلغة "الدفاع عن الوطن"، يشعر بالانفصام، هذا الانفصام هو بالضبط ما يجعل كثيرًا من الجنود ينزلقون نحو الاكتئاب، الإدمان، أو الانتحار.

الجنود الاسرائيليون العائدون من جحيم الحرب في غزة، حملوا معهم الهاوية التي صنعوها، وظلت تحدق في أرواحهم حتى اكلتهم من الداخل، فالدماء لا تتبخر من الذاكرة كما تتبخر من الارض، أنها تبقى هناك، تطرق جدران الروح ليلا، والحرب لا تنتهي بانسحاب الجنود، بل عندما تتوقف عن مطاردتهم في أحلامهم.

قد يُقرأ انتحار الجندي ليس فقط كنتيجة للصدمة، بل كلحظة رفض عميق لكل المنظومة. إنها مفارقة: القمع الذي يفترض أن يحكم الضحية، ينتهي به المطاف بتحطيم الجلاد. وربما يكون الانتحار، في بعض حالاته، تعبيرًا أخيرًا عن وعي متأخر بالجريمة، ورفضًا داخليًا للمشاركة في الكذب المستمر.

ظاهرة انتحار الجنود الإسرائيليين تطرح أسئلة أخلاقية ونفسية تتجاوز حدود الدولة والمجتمع الإسرائيلي، إن من يمارس القمع، خصوصًا حين يكون القمع وحشيًا وغير مبرر، لا يبقى سليمًا نفسيًا، لم يعد هناك مكان آمن، حتى داخل النفس، هكذا وصف أحد الجنود تجربته بعد عودته من غزة.

آلاف الشهداء في غزة تتحرك، جثثهم في شوارع تل أبيب، في غرف النوم، في الاحلام، أصوات الضحايا تملأ المدينة والعقل، فلا ينجو الناجين من الجحيم، وإن روج الأقوياء أنهم عادوا منتصرين، لكنهم لم يعودوا إلى أنفسهم، عادوا يحملون موتهم المؤجل بعد النجاة، لا أحد يخرج سالما من الحرب، لا الأحياء ولا الأموات، ولا من هم عالقون بين الحالتين.

غزة ليست كما صورتها شاشات الجيش، ليست رقماً في سجل الضحايا، ولا منطقة رمادية، هي وجه الطفل الذي صرخ قبل أن يسقط، هي الأشلاء المتناثرة أمام جنود مرضى يستمتعون بمشاهد الموت، ولكنها في نفس الوقت أصبحت السجن الذي يحتجز السجان، والحرب لا تزال تدور داخل الجلاد، إنه الموت الداخلي وهو أصعب بكثير من الموت الخارجي.

إذا كانت أسطورة مسادة الإسرائيلية تمثل الانتحار من أجل البقاء، فقد تصبح غزة من خلال صمودها تحت النار رمزًا لعكس ذلك: البقاء رغم الموت والدمار، وفي هذا السياق، فإن دولة الاحتلال بسياساتها تكرر أخطاء من كانت تعتبرهم مضطهِدين لها، وربما تقرب نفسها من مصير كارثي لا جسدياً بل أخلاقياً وسياسياً.

الكاتب الاسرائيلي دافيد غروسمان الذي فقد ابنه في حرب لبنان، عبر في روايته: إلى نهاية الأرض، عن هشاشة الإنسان في وجه الحرب، بطلة الرواية ام تهرب من خبر موت ابنها المحتمل، تجسد الخوف الأبدي من فقدان المعنى تحت وقع السلاح.

وفي قصيدة: شمشون يمزق ثيابه للشاعر الإسرائيلي عناداد الدان، نقرأ صورة مرعبة لبطل يقتل أعداءه ثم يدمر نفسه، كان القتال الذي لا يعرف الرحمة ينتهي دومًا بالخراب الذاتي.

لا أحد يعود من الحرب كما ذهب، بعضهم لا يعود أبداً حتى لو نجا، يحمل الحرب في جسده وفي وعيه، في ذاكرته التي لا تُطوى، بعضهم يحاول النسيان، لكن اشباح الضحايا تلاحقه، لهذا ينتحر بعض الجنود بعد عودتهم، ليس لأنهم خسروا المعركة، بل لانهم لم يستطيعوا الصمود في مواجهة انفسهم، وفي تل أبيب فتحت غزة أبوابها واستقبلتهم من جديد، لا كغزاة، بل كمن أدركوا أنهم خسروا شيئاً لا يستعاد: إنسانيتهم، فالحرب لا تنهي الحياة فقط، أحياناً تُبقيها حية على هيئة موت مؤجل.

الكاتب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي وصف المجتمع الإسرائيلي الذي ينحدر بقوة نحو اليمينية والتطرف والنزعة الابادية، والذي يعتبر أنه لا أحد بريء في غزة، بأنه مشوه ومصاب بوهم يجعل أفراده منفصلين عن الواقع، موصيا بإدخال هذا المجتمع إلى المستشفى والعلاج النفسي.

الجندي الاسرائيلي زاكين، قال في شهادته أمام الكنيست الإسرائيلي: أنه لم يعد قادرا على أكل اللحوم، لأن ذلك يذكره بالمشاهد البشعة التي شاهدها من جرافته في غزة، عندما كان الجنود يهرسون ويمزقون أجساد الفلسطينيين، وقال إنه لا يستطيع النوم، صوت الانفجارات يرن في رأسه، ويرى كثيراً من اللحم البشري والجثث.

أما الجندي الإسرائيلي اليران مزراحي، الذي عانى من نوبات هستيرية وعزلة نفسية بعد عودته من غزة، فقال لطبيبه النفسي: إنه في كثير من الأحيان يشعر بدماء غير مرئية تخرج منه، إن مزراحي خرج من غزة، لكن غزة لم تخرج منه، فمن يطلق النار على قلب طفل، لا يعود إلى بيته الا وقلبه مثقوب.

كل الطرق تؤدي إلى الجثة، يقول الجندي وقد نام نصف عقله في المجزرة، والنصف الآخر على سرير ناعم في تل أبيب، أطفاله يلعبون ويضحكون، وهو عاجز عن رؤية الضحك كما كان، لأن في داخله طفلاً آخر، تمزق جسده تحت الأنقاض، غزة تقول لكل جندي: أنت لم تخرج من هناك بعد