إلى متى تبقى حركة فتح أسيرة الوعود؟
إلى متى تبقى حركة فتح أسيرة الوعود؟
الكوفية ليس ما ينقص حركة فتح تعميمٌ جديد يشرح لأبنائها معنى الوحدة الوطنية، ولا رسالةٌ تنظيمية تعيد تذكيرهم بفضائل الشراكة والديمقراطية والانتخابات وإنهاء الانقسام. ما ينقص فتح، قبل كل شيء، هو أن تواجه نفسها، وأن تتوقف عن مخاطبة كوادرها بلغة الوعود، وكأن الذاكرة التنظيمية لشعبٍ قدّم التضحيات يمكن محوها بصفحاتٍ تحمل شعاراتٍ جميلة، بينما الواقع يزداد ابتعاداً عن تلك الشعارات. إن التعميم الداخلي الأخير، الصادر عن مفوضية التعبئة والتنظيم للأقاليم الخارجية تحت عنوان «آخر المستجدات التنظيمية والسياسية والوطنية»، يعيد إنتاج خطابٍ اعتادت قيادة الحركة تقديمه في كل محطة حرجة: انتخابات مؤجلة، وحوار وطني جديد، وترتيب للبيت الفتحاوي، ووعود بمعالجة ملفات الإقصاء، ودعوات إلى توحيد الصفوف. لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل هذه العناوين هو: من المسؤول عن وصول فتح إلى هذه الحالة؟ ومن يحاسب من أخفقوا في تنفيذ القرارات والاتفاقات؟ ولماذا يُطلب من القواعد التنظيمية مجدداً أن تمنح الثقة لمن لم يقدموا، حتى الآن، ما يكفي من الضمانات لاستعادتها؟
نحن في التيار الإصلاحي الديمقراطي لا نعارض الحوار، ولا نرفض المصالحة، ولا نتعامل مع وحدة فتح باعتبارها شعاراً للمزايدة. بل نرى أن هذه القضايا تمثل شروطاً أساسية لاستعادة الحركة دورها الوطني. غير أن الدفاع عن فتح لا يعني منح قيادتها شيكاً على بياض، والانتماء إليها لا يعني الصمت عن الخلل، والإخلاص لتاريخها لا يقتضي التسليم بأن من يديرون حاضرها يملكون حق احتكار مستقبلها.
المصالحة الفلسطينية… كم اتفاقاً نحتاج قبل أن نسأل عن التنفيذ؟
يتحدث التعميم عن لقاءات القاهرة التمهيدية، وعن ضرورة إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات والقرار السياسي، وتمكين حكومة فلسطينية واحدة، والذهاب إلى الانتخابات. وكلها عناوين لا يختلف عليها فلسطيني حريص على وحدته الوطنية. لكن هذه العناوين ليست اكتشافاً سياسياً جديداً، بل التزامات تكررت في محطات طويلة من الحوار الوطني، من اتفاق مكة عام 2007، وإعلان صنعاء عام 2008، واتفاق القاهرة عام 2011، واتفاق الدوحة عام 2012، إلى تفاهمات واتفاقات لاحقة، وصولاً إلى إعلان الجزائر عام 2022 وإعلان بكين عام 2024. ومع ذلك، بقي الانقسام قائماً، وظلت المؤسسات الوطنية منقسمة، وتعطلت الانتخابات العامة، وتراجعت ثقة الفلسطينيين بقدرة الفصائل على تحويل التفاهمات إلى نظام سياسي موحد يستمد شرعيته من الشعب.
فهل المطلوب أن نحتفي بكل جولة حوار باعتبارها إنجازاً، ثم نعود بعد أشهر إلى النقطة نفسها؟ وهل يكفي أن تتبادل الوفود المصافحات والصور والبيانات حتى يصبح الحوار نجاحاً وطنياً؟ إن المصالحة ليست صورة تذكارية في القاهرة، ولا بياناً مشتركاً، ولا وعداً بفتح صفحة جديدة. المصالحة التزامٌ بجدول زمني معلن، وآليات تنفيذ واضحة، ورقابة وطنية مستقلة، ومحاسبة سياسية لكل طرف يعطل ما وقّع عليه. ومن دون ذلك، يتحول الحوار من وسيلة لإنهاء الانقسام إلى عملية دائمة لإدارة الانقسام، فيما يدفع الشعب الفلسطيني ثمنها من وحدته وحقوقه ومستقبله. وإذا كانت فتح تؤكد اليوم أن الحوار لا يستهدف تفاهمات مؤقتة، فمن حقنا أن نسأل: ما الذي سيجعل هذه الجولة مختلفة عن سابقاتها؟ وما الضمانات التي تمنع تكرار المصير نفسه؟ وأين التقرير الصريح الذي يضع أمام الشعب الفلسطيني حصيلة الاتفاقات السابقة، وما نُفذ منها وما عُطّل، ومن يتحمل المسؤولية؟
الانتخابات ليست موعداً على الورق، والديمقراطية ليست خطاباً للاستهلاك
يؤكد التعميم أن الانتخابات استحقاق وطني وديمقراطي، ثم يشرح تأجيلها والرهان على موعد جديد، متحدثاً عن الظروف الميدانية والقيود الإسرائيلية والمعوقات التي تحول دون إجرائها. لا أحد ينكر أن الاحتلال يفرض قيوداً حقيقية على الحياة السياسية الفلسطينية، وأن ضمان مشاركة القدس وسائر الأراضي الفلسطينية يمثل تحدياً وطنياً بالغ الأهمية. لكن الاعتراف بهذه العقبات لا يعفي القيادة من تقديم إجابات واضحة حول كيفية مواجهتها، ولا يحوّل التأجيل المتكرر إلى بديل دائم عن تجديد الشرعيات.
إن الديمقراطية لا تُختزل في إعلان موعد للانتخابات، بل تبدأ من احترام حق الناس في الاختيار، ومن بناء مؤسسات تخضع للمساءلة، ومن فتح المجال أمام التنافس السياسي والتنظيمي، ومن الاعتراف بأن الشرعية لا تُستمد من التاريخ وحده، مهما كان عظيماً، بل تتجدد بإرادة الناس وثقتهم. وعليه، فإننا نطالب بجدول زمني واضح، وخطة عملية لتذليل العقبات، وضمانات معلنة تمنع استخدام الظروف الاستثنائية ذريعة مفتوحة لتأجيل الاستحقاقات. كما نطالب بأن تشمل الديمقراطية البيت الفتحاوي نفسه؛ فلا يستقيم أن ندعو الشعب إلى اختيار ممثليه، بينما تُضيَّق مساحات الاختلاف داخل الحركة، وتبقى المشاركة التنظيمية رهينة موازين النفوذ والقرارات المغلقة.
ترتيب البيت الفتحاوي يبدأ بمحاسبة المسؤولين عن اختلاله
يتحدث التعميم عن معالجة الظروف الاستثنائية التي مرت بها الحركة، وعن توسيع المشاركة، والابتعاد عن الإقصاء، ومعالجة ملف الأعضاء المفصولين، واحترام النظام الداخلي. وهذه إقرارات تطرح أسئلة لا يجوز القفز فوقها. إذا كانت الحركة تقر اليوم بضرورة معالجة الإقصاء، فلماذا وصل الخلاف التنظيمي إلى هذا المستوى؟ وإذا كان النظام الداخلي هو المرجعية، فهل طُبّق على الجميع بالمعايير نفسها، أم تحوّل في بعض المحطات إلى أداة تُستحضر عند الحاجة وتُهمَل عندما تتعارض مع مصالح أصحاب القرار؟ إن احترام اللوائح لا يعني الاكتفاء بمطالبة المفصولين بتقديم طلبات خطية، ولا تحويل معالجة المظالم إلى معاملات إدارية طويلة، ولا تحميل الأفراد وحدهم عبء إعادة بناء الثقة. المطلوب مراجعة عادلة وشفافة للقرارات، وإعلان معايير واضحة للإنصاف، وفتح مسار مؤسسي يضمن حق الاعتراض والمراجعة، ويفصل بين الخلاف السياسي والمساءلة القانونية وفق أصول عادلة. ومن موقعنا في التيار الإصلاحي الديمقراطي، نؤكد أن وحدة فتح لا يمكن أن تقوم على مطالبة المختلفين بالعودة إلى مواقعهم السابقة من دون مراجعة الأسباب التي أدت إلى الخلاف، ولا على تسوية شكلية تتجاهل جذور الأزمة. الوحدة الحقيقية هي شراكة في القرار، وتكافؤ في الحقوق، واحترام للتعددية، وضمانة بألا يصبح الاختلاف في الرأي سبباً للعزل أو التهميش.
أما الفساد، فلا يُواجَه بالشعارات ولا بالتعميمات. يُواجَه بالشفافية المالية والإدارية، ونشر آليات الرقابة، وتحديد المسؤوليات، والتحقيق المستقل في أي مخالفات مثبتة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه. ولا يجوز أن يُطلب من الكوادر والجماهير تجديد الثقة من دون تقديم ما يثبت أن الإصلاح سيطال منظومة إدارة الحركة، لا أن يقتصر على إعادة ترتيب مواقعها وتوزيع أدوارها.
فتح ليست ملكاً لأحد، وتاريخها ليس حصانة لأحد
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه حركة تحرر وطني هو أن يتحول تاريخها النضالي إلى حصانة سياسية لمن يديرونها، وأن يصبح الحديث عن التضحيات وسيلة لإسكات الأسئلة المشروعة، وأن يُطلب من الأجيال الجديدة احترام الماضي من دون أن يُسمح لها بالمشاركة في صناعة المستقبل. فتح أكبر من الأشخاص والمواقع واللجان، وأوسع من أي مجموعة تحتكر القرار أو تتعامل مع الحركة باعتبارها ملكية تنظيمية خاصة. لقد صنعت الحركة مكانتها بتضحيات أبنائها وتنوعهم وقدرتهم على استيعاب الاختلاف، ولا يجوز أن تُختزل في إدارة مغلقة، أو في خطاب رسمي يُطلب من الأقاليم في الخارج تكراره من دون أن يمتلك أصحاب هذه الأقاليم حق المساءلة والمشاركة الفعلية في صياغة القرار. إن مطالبة الأقاليم بتوحيد الخطاب لا ينبغي أن تعني توحيد الأصوات خلف رواية واحدة، أو تحويل الكوادر إلى ناقلين للتوجيهات، بل يجب أن تقترن بحقهم في إبداء الرأي، وتقديم النقد، ورفع الملاحظات، والمشاركة في مراجعة السياسات. فالانضباط التنظيمي الذي لا تحميه الديمقراطية يتحول إلى طاعة، والطاعة التي لا تخضع للمساءلة لا تبني حركة قوية، بل تؤجل أزمتها إلى حين انفجارها.
الإصلاح ليس خصومة مع فتح، بل دفاع عن حقها في البقاء
نحن لا نطرح هذه الأسئلة رغبةً في تصفية حسابات شخصية، ولا سعياً إلى إضعاف الحركة في مرحلة وطنية شديدة الخطورة. بل نطرحها لأننا نرفض أن يُترك تاريخ فتح رهينة أخطاء قابلة للمراجعة، وأن تُختزل وحدتها في بيانات متكررة، وأن يبقى الحديث عن الإصلاح منفصلاً عن تغيير آليات اتخاذ القرار والرقابة والمحاسبة. إن التيار الإصلاحي الديمقراطي يرى أن استعادة فتح لدورها الوطني تبدأ من مصارحة أعضائها وجماهيرها، والاعتراف بمواطن الخلل، ووقف سياسة الإقصاء، وإعادة الاعتبار للمؤسسات واللوائح، وفتح المجال أمام تداول المسؤولية، وإطلاق مسار جدي لمكافحة الفساد، وربط أي تسوية تنظيمية بضمانات تمنع عودة الأزمة بأسماء وأشكال جديدة. كما أن استعادة الوحدة الوطنية لا تنفصل عن إصلاح البيت الفتحاوي. فمن لا يستطيع بناء شراكة حقيقية داخل حركته، سيجد صعوبة في إقناع الآخرين بشراكة وطنية مستدامة. ومن يطالب الفصائل بتنفيذ الاتفاقات، عليه أن يقدم نموذجاً داخلياً في احترام القرارات والحقوق والالتزامات.
كفى بيانات… نريد أفعالاً ومحاسبة
إن التعميمات لا تُنهي الانقسام، والحوارات لا تستعيد الوحدة ما لم تتحول نتائجها إلى التزامات قابلة للقياس، والانتخابات لا تجدد الشرعيات إذا بقيت معلقة على ظروف لا تنتهي، وترتيب البيت الفتحاوي لا يصنع وحدة حقيقية إذا لم يبدأ بمراجعة القرارات والأسباب التي أوصلته إلى أزمته. لذلك، فإن رسالتنا واضحة: لا نرفض الحوار، لكننا نرفض أن يصبح الحوار بديلاً عن التنفيذ؛ لا نرفض الوحدة، لكننا نرفض أن تُفرض باسم الوحدة تسويات تتجاوز المظالم؛ لا نرفض الانضباط، لكننا نرفض أن يتحول إلى غطاء لغياب المساءلة؛ ولا نقبل أن يُرفع شعار مكافحة الفساد من دون شفافية ومحاسبة ومعايير واحدة للجميع. إن المطلوب اليوم ليس تعميماً جديداً يشرح للكوادر ما ينبغي أن تقوله، بل قراراً سياسياً وتنظيمياً شجاعاً يجيب عما ينبغي أن يتغير. وليس المطلوب من أبناء فتح أن يكرروا الثقة، بل من قيادتها أن تقدم أسباباً عملية لاستعادتها.
فتح التي نريدها حركة مؤسسات لا حركة أفراد، وحركة شراكة لا احتكار، وحركة مساءلة لا حصانة، وحركة وفاء لتضحيات شعبها لا إدارة لأزماته. ومن موقعنا في التيار الإصلاحي الديمقراطي، نقولها بوضوح: لن يكون الإصلاح الحقيقي بتجميل الخطاب، ولا بإعادة تدوير الوعود، ولا بمطالبة المعترضين بالصمت حفاظاً على الوحدة. الإصلاح يبدأ حين يصبح السؤال حقاً، والنقد مسؤولية، والمحاسبة قاعدة، والاتفاق التزاماً لا يُترك للنسيان. فالتاريخ النضالي لا يمنح أحداً حق احتكار الحركة، والتضحيات لا تُسقط واجب المحاسبة، والوحدة لا تُبنى بإخفاء الخلافات، بل بمعالجتها بعدالة وشجاعة. أما الاستمرار في إنتاج الوعود من دون تنفيذ، فلن يحفظ فتح من أزمتها، بل سيعمّق المسافة بينها وبين أبنائها وجماهيرها. إن فتح لا تحتاج إلى من يطالب أبناءها بتصديق التعميم؛ إنها تحتاج إلى قيادة تقبل أن تُحاسَب على ما جاء فيه، وعلى ما سبق أن تعهدت به ولم تنفذه.